من البدوية المتوحشة, الى السقيفة , الى كربلاء الى الحرب السورية …

فاتح  بيطار :

      تطورت   البلاد   تراجعا في نصف   القرن  الأخير ……تعفنت وفسدت وأصبحت أقل اخلاقية , انعدمت فيها الديموقراطية والحريات وتعمقت الديكتاتورية لتأخذ أشكالا مذهلة في بدائيتها , اغتربت البلاد بتزايد قل نظيره , وأصبح الانسان غريبا في بلاده, ازدادت الاشكاية أو المشكلة بين الانسان وبين البلاد التي ينتمي اليها , لذلك تطلب الأمر اصلاحا , تبين على أنه لاجدوى منه نظرا لشمولية الخراب وتعمقه ,لذلك كان لابد من علاج أفضل , لقد كانت الثورة التي تزيل الخراب الموجود وتبني الصحيح الجديد.

تحققت ضرورات الثورة قبل عشرات السنين و ليس في عام ٢٠١١ , أتت الثورة متأخرة واستحقت اسم ثورة , وكان خيرا أن تأتي متأخرة من أن لاتأتي ,كانت هناك ثورة أساسها ادراك الخلل العام من قبل العموم , ومهتها ازالة هذا الخلل, ثم تشييد بناء جديد لاعلاقة له بالبناء السابق ,من تظاهر وكتب وسجن وصرخ وتألم كان من عامة الشعب, ولم يكن هناك مايستحق الذكر بالاسم الا الشعب , ضمت هذه الثورة معظم الناس.. وكل ما استطاع لثورة الشعب من أجل الشعب ,كينونة هذه الثورة واهدافها وجدت تطابقا نسبيا جيدا وليس كاملا مع كينونة وأهداف معظم  أفراد الشعب السوري ..  لقد كانت حضانة شعب لثورة شعب !!

بدأ الوضع يتغير خلال عام ٢٠١١ , والتغير أصبح أكثر وضوحا عام ٢٠١٢ , وعام ٢٠١٣ حدث الانقلاب على الثورة ,الذي بدأت مقدماته قبل ذلك بالظهور تدريجيا , ليس من المهم القول على أن الانقلاب حدث عام ٢٠١٢ أو ٢٠١٣ , أو حتى عام ٢٠١١ , , الانقلاب عمليا انهى الفعل الثوري بنموزيجية عام ٢٠١١ , وبدأ حراك استعصى بادئ الأمر على التعريف والتسمية , الا أن التعريف أصبح بعد فترة ممكنا والتسمية أيضا وتباعا لذلك كان على المواقف أن تتغير ,

الأمر وما فيه وماعليه  كان عبارة عن انقلاب قامت به أصولية دينية , صبغت الحالة السورية بصيغتها ومضمونها الرئيسي الذي هو ممارسة العنف المسلح لأسباب مبدئية أولا , حتى وان لم يكن للعنف  ضرورة موضوعية , العنف بحد ذاته هدفا,لأن العنف بتجلياته القتالية الحربية هو الطريق الأمثل والأسرع الى الشهادة , وبالتالي الى اكتمال حالة مايسمى المسلم الأعلى , وأسهل الطرق الى افتعال حالة العنف والحرب هو خلق حالة الخلاف , وما اسهل من خلق حالة الخلاف , هنا يكفي التمسك بعصمة وقداسة النص الديني وتفاسيره المطلقة الجامدة ومطلقيته لكي يصطدم كل هذا بعصمة نص ديني آخر أو أو حتى بمبدأ النسبية , وما أسهل من خلق حرب بين مشيئة البشر ومشيئة الله , فمشيئة البشر مختلفة ومتنوعة ومتعاكسة ومتوافقة, أما مشيئة الله فهي واحدة, والصدام   بين  المشيآت  حتمي   بطبيعته ..
“تألهت” الحالة السورية بعد الانقلاب ولبست ثوب الدين وبذلك تجردت أهداف الصدامات عن الحالة التي شغلتنا وقادت الى الثورة ..حالة الفقر والتأخر والاستبداد واغتيال الحريات وتعمق الديكتاتورية , لم  تعد للصراعات علاقة أكيدة مع كل هذه الأمور , الصراع   تحول الى عراك بين  سيئ  واسوء , بين الكفر والايمان, بين علوي وسني , بين شيعة واسلاميون  سنة  , بين نص ونص وبين عقيدة وعقيدة ,  , لذلك لفظتنا هذه الحالة .. بعد أن تحولنا الى متطفلين عليها , حيث لاناقة ولاجمل لنا بها , انها خارج تطلعات العلماني ومجانبة لاهتماماته وأهدافه, انها غربة له , العلماني غريب في تناحر مذهبي , ولا يستطيع تسمية التناحر المذهبي “ثورة” , وانما حرب مذهبية ليس له أن يتحزب   لأي  جهة  من   الجهات    المتمذهبة  والمشاركة  بها .

مارأيناه بعد  الانقلاب  كان  واضحا …انها   حرب   المذاهب   المسيسة   …,لم  يكن    للانقلابيين    أي   اهتمام   ايجابي   بناء  مع الأرض  وما  عليها  ,  لذلك كان   هناك  استسهال   وانفلات   قل  نظيره  في  التاريخ  في تحطيم كل شيئ  من   البشر  والحجر  كالطوفان … الانقلابيون   قتلوا  الانسان من أجل  احيائه  !   هدموا  البيت من أجل بنائه ,    القتل والتخريب    كانا   عنوان   وهدف  كل  ممارسات   الأطراف   المتحاربة  … ,  أمر الأرض   والانسان كان  بمنتهى  الثانوية, الأولية  كانت   للطوائف   والأديان,   على   الرئيس   أن  يكون  علوي  ….على   الرئيس  أن  يكون   سني   بغض   النظر   عن  أي  اعتبارات   أخرى !  , وكأن الأمر قد تحول الى استمرارية لكربلاء بعد أن كانت كربلاء استمرارا للسقيفة, مع هذه الحالة الجديدة تلاشى التطابق النسبي بين كينونة الحركة  المذهبية  وأهدافها, وبين كينونة وأهداف وطموحات العديد من أفراد الشعب السوري الذين سقطوا في مطب الاغتراب , ما  حدث  كان  غريب جدا!! , ومن نتائجه كان  الابتعاد  عن    جيفة  الحرب   واللجوء الى الرمادية !

لم  يمثل  الوضع الانقلابي استمرارا لثورة آذار ٢٠١١ , لا من ناحية فلسفة هذه الثورة المبنية على فلسفة الربيع العربي , ولا من حيث تكامل شعبيتها في التعاكس مع الأسدية , ولا من حيث أدواتها العنفية وخلفيتها الغيبية الايمانية , ولا من حيث بعدها عن النسبية العلمانية , فالضدية للعلوية الشيعية لاتصنع ثورة , أنها ضدية مبنية على أسس أقدم من الأسدية بالعديد من القرون , الأمركان عبارة عن  تناحر  مذهبي  لم  يأخذ   بعين الاعتبار الانسان والأرض, ولا  يتمكن  من  أخذ    الانسان  والأرض  بعين  الاعتبار  ,  قالوها   صراحة   …   أول   هدف   لحزب  الله وايران  كان حماية المراقد وممارسة التشييع وبناء الحسينيات ,  اضافة  الى   حماية  زينب  من   السبي   للمرة  الثانية   ,   الجهة  الأخرى كانت   حاملة  لراية   الوهابية   بكل  تفاصيلها  …  نصرة   السنة  وخلع   الامام  العلوي من  أجل   المفتي   السني  ,  ليس  لسوئه   وانما  لكونه  علوي ,   البديل   س   السنس   ليس  لجودته  , انما  لكونه  سني , كل   معايير   المقارنة    تضع   الأسدية  , وهي  في   الحضيض    بموقع  متفوق   على   الفصائل ,   الا  أن   ذلك  لايعني   توضع   طرف   في  القمة  وآخر  في   الحضيض   ,  فكلاهما   في   الحضيض , هنا    أسأل  ماذا   لو  كان   الأسد  سنيا  ؟؟؟   .

في  حالة  حرب  غريبة   بأهدافها   عن  تطلعات   الناس ,  لم  يكن   للعلماني  الغير  مسلح ,والذي  لايريد   التسلح  , سوى    التفرج   على  المسلخ  الذي  يذبح   الوطن  به ,   لم  يكن   للعلماني  أن  يتحزب ؟؟؟!!!!والخيار   العلماني   ليس  بين   الشبيحة  والذبيحة    , وكل  منهم   أسوء  من  الآخر,   خيار   العلماني   يقع  خارج    أهداف   وأساليب   ومفاهيم   كلا   الطرفين ,  العلماني ,    يقاومهم   ولا   يشترك  معهم   في  قتل   البشر  وتهديم   البلاد ,  الحرب   المشتركة  كانت  أسوء  من  كل  منهم  على  انفراد,  الحرب   المشتركة  جمعت   شرور   من  قام  بها , وبالتالي   ضاعفت  شرور  كل  منهما ,  حرب   ميزت   بشكل  واضح   بين   البشر  وبين الحيوانات   المفترسة  المتوحشة  , التي  مارست    التوحش   ,تحارب   الوحوش   ليس  ثورة, وليس    دفاعا   عن   الوطن, انه  توحش  !!! 

فاتح  بيطار :syriano.net

رابط   المقال :https://syriano.net/2020/02

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *