ابتلاع الدولة وحتمية الحرب …

نبيهة  حنا:

  نعم نحن في سوريا في وضع لانحسد عليه ,نسأل أنفسنا : هل الوضع هو نتيجة للحرب , أم أن الحرب هي نتيجة للوضع !.

 

معظم الدلائل تشير على أن الحرب بحد ذاتها نتيجة وليست سبب , فالحالة الواعدة التي كنا بها بعد الاستقلال تبخرت بسرعة كبيرة , واستقرت بعد عام ١٩٧٠ في مسارها الدوني ,الذي يتميز بخاصة الابتلاعات , لقد تم ابتلاع الدولة من قبل السلطة ,ثم ابتلع الحزب السلطة ,الطائفة ابتلعت الحزب, والعائلة ابتلعت الطائفة , والأسرة ابتلعت العائلة , والشخص يبتلع الأسرة والجميع أيضا , وذلك لتتكون مزرعة سوريا الأسد لصاحبها بشار الأسد .

لاعجب في أن يقود تطور عملية الابتلاع , لتصبح البلاد ملكا لشخص ويصبح شعبا عبدا لهذا الشخص , الى الحرب , والحرب هي عنئذ نتيجة منطقية لعملية الاستيلاء على البلاد قسرا من قبل عائلة أو بالأصح اسرة واحدة أو شخص , حيث أنه من المستحيل التعامل مع هذه الأسرة أو الشخص سلميا وكأنهم أفراد سوريين عاديين, ذلك لأن كامل وجودهم يعتمد على شذوذهم الذي يتضمن كامل معالم المافيوزية اضافة الى مهنية الاجرام وانعدام خاصة الخجل , وهل من الممكن أن يكون اللص خجولا أو خلوقا ؟
العلة لاتكمن فقط في العائلة وشخصها وانما في الشعب أيضا , الشعب اعتاد وأدمن  على ممارسة عائلة للاستعمار الداخلي بأبشع صوره , التراث أمن للطاغية المقنع مذهبيا غطاءا شرعيا ,الشعب لم يتمكن من تحرير نفسه من خاصة الخنوع للسلطان والتملق لديه , فالشعب لايزال أميا فكريا وسياسيا وذلك بفضل الطاغية الذي أدرك على أن الأمية السياسية هي أساس بقائه , لذلك منع التعلم السياسي ومنع ممارسة السياسة تحت طائلة عقوبات عملاقة , محو الأمية لايقتصر على تعلم القراءة كتلاوة عن ظهر قلب, وانما يتضمن محو الأمية الكثير ..محو الأمية يتضمن التمكن من قراءة مابين السطور وما بين الكلمات. والتمكن من الفهم والادراك .
لقد أدرك الطاغية مخاطر ازالة الأمية السياسية , فمنع الممارسة السياسية , وقد أثمرت جهود الطاغوت في هذا المجال خيرا عليه , الطاغوط يقف الآن أمام معارضة مصابة بالأمية السياسية التي تعرقل فاليتها وتحقق للطاغية جزءا من أحلامه , لم يعتمد الطاغية فقط على التجهيل السياسي , لقد اكتشف مجالات أخرى يستطيع من خلالها ضمان الثبات على الكرسي , من هذه المجالات مجال التأله , حيث أن الشعب ميال لممارسة التعبد , لذا تمثل الطاغية بالله وأعلن عن أبديته ..الأسد الى الأبد ,وللوصول الى حالة التأليه كان من الضروري تأكيد الوحدانية ..الأسد أو لا أحد…القائد الخالد …ولاكتمال الفاجعة كان لابد من تأمين خلفية دستورية لذلك , هنا أتى الطاغية بالمادة الثامنة التي وضعت كمامة محكمة على فم كل من أراد أن “يتفلسف” دستوريا , انه الرئيس الدستوري والرئيس الشرعي والرئيس القائد والمؤسس ومنجز الاستقلال الثالث ومطرح مابيدوس بدنا نصلي ونبوس , عند الضرورة فهوالامام وهو المنقذ لزينب من الاغتصاب للمرة الثانية ….لايمكن لكل ذلك أن يحدث بدون وجود نقص في الادراك الاجتماعي والسياسي عند الشعب ,والطاغية ساهم بكل مايملك من قوة وعزيمة في احراز نوعا من “الاخصاء” الاجتماعي والسياسي عند الشعب .
لم يقتصر تدعيم الطاغية على اخصاء الشعب سياسيا واجتماعيا وعلى التأله , لقد رأى الطاغوط في “الهاء” الشعب بقصص وحكايات ومغامرات فائدة له , لذلك ركز على التلاهي وأسس ملاهي “أعداء الخارج” وملاهي “اعداء الداخل” ثم ملهى الممانعة وملهى المقاومة وزود هذه الملاهي بما يلزم من الشراميط لضمان التلذذ بممارسة البغاء السياسي , ولضمان نمو فكرة الاستماتة في سبيل القائد الخالد الذي يصارع ويعاند ويقاوم أعداء الوطن خارجيا وداخليا, وليس من المهم أن تكون حالة العداء “افتراضية ” أو “واقعية” , المهم هو تأمين الولاء له , سيان ان أتى الولاء عن طريق كره الأعداء والحقد عليهم او عن طرق أخرى , هنا لابد من التأكيد على أن الطرق الأخرى ومن أهمها طريق”المواطنة” موصودة في وجه الطاغية , فالمواطنة الصحيحة لاتتضمن الاستماتة من أجل شخص مهما كان ومن كان , ولا تتضمن الترهيب والخنوع للديكتاتور, ولا تتضمن البناء على الخوف من ساطوره , المواطنة الصحيحة تفترض الحرص على القيام بالواجب الوطني مقابل حصول المواطن على حقوقه , والطاغوط بعيد عن امكانية تحقيق ذلك بعد السماء عن الأرض , اعراف ودساتير من هذا النوع لاتستقيم مع الضروري لمزرعة الفساد والاستعباد والاستبداد , لذلك لم يبق للولاء من طريق الا طريق كره الأعداء , الشعب واحد ومتحد في كرهه للأعداء وحقده عليهم لكونهم ارباب المؤامرة , الشعب لم يتحد ويتوحد لكونه يحترم الوطن والوطن يحترمه , والفرق بين مواطنة تتأسس على الكره ومواطنة تتأسس على مبدأ احترام مبدأ الحقوق والواجبات كبير جدا , الحرب هي النتيجة الحتمية لمواطنة مزيفة افتراضية تقوم على الكره والحق , المواطنة الضامنة للسلم الاجتماعي هي مواطنة العدالة الاجتماعية .
..مواطنة السلم الاجتماعي ..مواطنة الحقوق والواجبات …!لاتعرف الديموقراطيات حروبا أهلية , الحروب الأهلية هي من اختصاص الديكتاتوريات بامتياز , لذا فان وضعنا المزري الذي لانحسد عليه ليس نتيجة للحرب وانما سببا لهذه الحرب .
نبيهة  حنا :syriano.net
رابط  المقال  :https://syriano.net/2020/02

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *