نعم ,أنا طائفي …

سليمان  يوسف  يوسف :

  الطائفية، من (الآفات الاجتماعية) الخطيرة، التي كشقت عنها وعززتها الحرب السورية والحرب العراقية وقبلها الحرب اللبنانية، في مجتمعات ودول المنطقة. وقد غدت (الطائفية) من ابرز وأكثر التهم التي يَنعت بها ابناء هذه المجتمعات بعضهم بعضاً، حتى باتت وقوداً لا ينضب لحرب كارثية أعادت بسوريا والمنطقة عقوداً الى الوراء . سوريون، وممن يعتبرون أنفسهم (مثقفين وطنيين ديمقراطيين علمانيين) ، نعتوني بـ”الطائفي” وبالتحريض على الفتنة الطائفية وبالعمل على تفتيت الدولة السورية. وذلك على خلفية كتابات ومنشورات أتناول فيها (المسالة الطائفية) و قضية (محنة) الأقليات المستضعفة في سوريا والمنطقة ،مركزاً على المسيحيين، باعتبارهم الأكثر تضرراً من الحروب الأهلية والأكثر استهدافاً من قبل المجموعات الاسلامية الارهابية، الساعية الى طردهم من أوطانهم الأم.
إذا كان من الطائفية، القول: بأن (الدستور السوري) ذو صبغة (طائفية اسلامية عروبية عنصرية) ينتقص من حقوق المواطنة ومن المكانة الوطنية للمسيحيين ولغير المسلمين ويحرمهم من الوصول الى منصب رئاسة الدولة، فأنا طائفي وبامتياز. إذا من الطائفية القول: بأن الدولة السورية منذ استقلاها حُكمت وفق (نهج اسلامي طائفي) ، فانا طائفي من غير جدال . وإذا من الطائفية القول : بأن (النهج الطائفي) والسكوت عن الطائفية أوصلا سوريا الى هذا الجحيم القاتل، و بأن الصراع في سوريا له بعد طائفي/مذهبي/عرقي، فانا غارق في الطائفية، قولاً وفعلاً. وإذا من الطائفية القول: بأن النظام السوري مُقاد “علوياً” فانا طائفي، دون خجل أو خوف من تهمة الطائفية. إذا كان من الطائفية، الاشارة الى الممارسات والمظاهر الطائفية في مفاصل الدولة السورية والمجتمع السوري، فانا طائفي حتى العظم. وإذا من الطائفية القول: بأن طرفي الصراع(النظام والمعارضات ) استجلبا “ميليشيات طائفية/مذهبية” مواليه لها لتقاتل الى جانبها في هذه الحرب اللعينة، عندها تكون الطائفية من الفضائل والمحاسن . وإذا من الطائفية، الدفاع عن حقوق الطوائف والأقليات المستضعفة، فانا طائفي حتى الموت. وإذا من الطائفية، القول: بأن مسيحيي المشرق مهددين بـ(الأحزمة الاسلامية الناسفة)، فتهمة الطائفية (وسام شرف). وإذا من الطائفية القول: بان مسيحيي سوريا والمنطقة وقعوا ضحية الأجندات (الطائفية والسياسية والعرقية) للقوى والميليشيات المسيطرة على الأرض، حينها ستكون الطائفية منهجاً سياسياً معمولاً ومسموحاً به شرعاً، لاضطهاد وظلم الآخرين . قطعاً، الطائفية ليست كل ما سبق. فما قللناه هو الحقيقة المرة لحالة المجتمع السوري والدولة السورية، لا يريد الكثيرين الاعتراف بها. (الطائفية) هي سلوك وممارسة الفعل الطائفي. الشعارات الوطنية والديمقراطية لم تعد أكثر من “يافطات وشعارات” يتخفى خلفها الغارقون في طائفيتهم المقيتة . الغريب أن هؤلاء ” الوطنيون” ،البلاد غارقة في الطائفية، وهم لا يجدون ولا يرون خطر كل هذا (السلاح الطائفي) الفتاك، الذي ينهش بجسد الوطن السوري منذ ست سنوات وأكثر، لكنهم وجدوا، في بعض مما أكتبه وأنشره عن حقائق ووقائع طائفية، مثيراً للفتن والأحقاد الطائفية وخطراً على وحدة الدولة السورية.
الآشوريون(سرياناً وكلدناً) ومسيحيو المشرق عموماً ، قرون طويلة وهم ضحايا الاقصاء والتهميش الطائفي والعرقي. عندما تجرأوا على الصراخ احتجاجاً في وجه الطائفيون الفاشيون، اتهموا بالطائفية وخيانة الوطن. مسيحيو المشرق هم ضحايا اضطهاد رسمي(حكومي) وشعبي. هنا تستحضروني زيارة (جمال عبد الناصر) الى القامشلي السورية 1959 فترة ضم سوريا الى مصر. عندما نزل جمال في مطار القامشلي، استقبلته الفرقة الموسيقية النحاسية (كشافة السريان)، نظر لهم وهو مندهش من أدائهم وانضباطهم، قال: “من هم دوول” فقالوا له أنهم (كشافة السريان) … فرد وقال “الغوهم” … وعندما زار مؤسسات الدولة في المدينة سأل الموظفين عن أسمائهم فكان( كبرائيل ـ حنا ـ يعقوب ـ برصوم ـ جورج – كورية – هاكوب – خوشابا ، وغيرها من الاسماء السريانية الاشورية والارمنية) .. وقف جمال وقال ” لا اريد ان يكون هؤلاء اكثر من 10% في مؤسسات ودوائر الدولة” . هل من عنصرية وطائفية مقيتة أكثر من تلك التي مارسها رئيس الدولة( جمال عبد الناصر) بحق السريان الآشوريين والمسيحيين، سكان سوريا الأوائل .
أخيراً: الحرب السورية ، اكدت على أن المسيحيين هم خميرة هذه المجتمعات وضميرها الوطني الحي. المسيحيون السوريون وحدهم لا أجندة ولا تطلعات خاصة بهم خارج الأجندة الوطنية، ولا ميليشيات مسلحة خاصة بهم، كما باقي مكونات المجتمع السوري . كلما تراجع الحضور المسيحي في سوريا وبقية دول المشرق، زادت اوجاع هذه الأوطان وتأخرت عن موكب الحضارة والرقي والمدنية

سليمان  يوسف  سليمان:syriano.net

رابط  المقال  :: https://syriano.net/2020/01

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *