نبيهة حنا:
قد تكون هناك بعض الفائدة من استعراض مقتضب جدا لمفهوم الجمهورية , على أنها نظام سياسي , تكون السلطة به للشعب , قبل ذلك كان لفكرة الجمهورية نوعا من التصور الفلسفي في جمهورية أفلاطون أو المدينة الفاضلة , الا أنه في سياق النهضة الأوروبية تمت صياغة مفهوم الجمهورية بشكل أكثر وضوحا وبشكل عملي , وهذا التصور هوالأساس المعتمد في هذا العصر لتعريف مفهوم الجمهورية.
لقد كانت الجمهورية الطرابلسية (ليبيا) أول جمهورية في التاريخ العربي , الا نها عمرت بعض الشهور وبادت , خلال قرن من الزمن ظهرت حوالي 15 جمهورية عربية نتيجة للاستقلالات, ونتيجة لتحول بعض الأنظمة الملكية الى جمهوريات , لقد كان من المتعارف عليه كون الجمهوريات الجديدة تقدمية والملكيات رجعية , الا أن الممارسة لم تتوافق مع احتكار التقدمية من قبل الجمهوريات , ففي هذه الجمهوريات تحول المواطنون الى رعايا مهمتهم الولاء للسلطة والتنعم بالمزايا الايجابية للزبائن , لذلك سميوا زبانية .
تعمقت أزمة الجمهوريات الى أن وصلت الى شكل مفجع ,لقد ارادت الديكتاتوريات أن تكون الدولة جمهورية وبنفس الوقت ملكية , والقدوة كانت كوريا الشمالية ..توريث الحكم ثم الحزب الواحد والرئيس الواحد ومن بعده يأي المحروس ابنه … ففي مصر وفي ليبيا وفي اليمن والعراق تمت محاولة المزج بين الجمهورية والملكية , الا أن هذه المحولات لم تنجح تنفيذيا وانجازا سوى في سوريا .
لا أعرف حقيقية من أين أتى أول ذكر لتعريف الجمهورية باسم “جملوكية ” , اي مزيج من الجمهورية والملكية , هل كان على يد الدكتور سعد الدين ابراهيم , الذي كتب مقالا تحت عنوان “الجملوكية” , أو كان على يد الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي , لافرق ان كان ابراهيم أو المرزوقي , الآن نحن بصدد مفردة هجينة جديدة تعبر عن نظام سياسي جديد هو المزيج بين الجمهورية والملكية , لم يستقطب هذا النظام الجديد “النخبة” ولكنه استقطب فئات على أساس “النفعية” والفئات كانت طائفية أو عشائرية او جهوية او عائلية , وهذه الفئات استقطبت المال والأعمال وتحولت الى استعمار داخلي مشرعن عن طريق جنسية هذه الفئات , التي كانت عموما جنسية المرتزقة من كل فئات المجتمع ,
استمرار التأزم قاد الى انفتاح الفطنة العربية على نمازج أخرى , لقد كان من الضروري اختراع منظومة لحماية الكيان الجملوكي , ومن أجل الحماية تم تطوير الأنظمة الى شكل “جمليشيات” أي كانتونات ميليشياوية , التطور الى الهجين الجديد “جمليشياوية” كان آخر ماتوصلت اليه العبقرية العربية , التي كرست بذلك الصيغة السلفية في استحضار الماضي والتنكر للحاضر تنكرا كاملا , وبذلك تم الانزلاق الى حالة ماقبل دولة المعروفة بعصابات العشائر والعائلات والطوائف , هذه الجمهوريات الميليشياوية الجملوكية هي نهاية مطاف التردي والانحطاط والدونية …علينا أن لاننخدع !, فقد تتمكن النباهة العربية الخلاقة من اختراع ماهو ادنى واعمق انحطاطا من الجملوكية والجمليشية
نبيهة حنا :syriano.net
رابط المقال :https://syriano.net/2019/12
