سمير صادق:
يعرف عن المجتمعات العربية محاولة اعادة بناء نفسها وصنع مستقبلها على النمط الغربي بأبعاده الليبيرالية والتنويرية,الا أن هذه المحاولة فشلت للعديد من الأسباب, لقد تراجعت المفاهيم القومية واليسارية وفشلت الحداثة والتحديث ,وللفشل آبائه وأمهاته المتمثلة بتطور المسلم , من المسلم الذي يتعامل مع هويته الدينية بشكل شخصي ويتصرف كمواطن وليس كمؤمن يعيش في دولة وليس في كيان اسلامي , الى ذاك النموذج “الاسلامي” الذي يتصرف بهويته كمظومة جماعية لها مشروع جماعي شمولي يسعى الى احتلال السلطة وبالتالي الى تطبيق الشريعة في اطار دولة اسلامية لاتستقيم مع الدولة القطرية ,وبالتالي تحارب هذه الدولة القطرية وتسعى الى افشالها .
لافرق بين مذهب اسلامي ومذهب اسلامي آخر , اذ أنه ليس بالامكان تطبيق الاسلام الاصولي الا بنموزج داعش وأشباهها كنموزج الولي الفقيه , فمن يريد الدولة الاسلامية هو داعشي سواء شتم داعش أو امتدحها , أسس هذه الدولة معروفة وبينة , وداعش برهنت عن كل ذلك وشرحته وأوضحته , فالحياة المؤسلمة تتضمن الغاء الآخر اما بتصفيته أو وضعه في مستوى دوني , احتقار الحياة لصالح الآخرة الذي يتضمن تدمير الذات والتخصص في صناعة الموت , احتقار الحياة الدنيا يستقيم مع تخريب معالم هذه الحياة من عمران وحضارة مادية , ولايتخلف الاسلام عن غيره من الاتجاهات التوحيدية , الذي يتمثل بكل شيئ الا بالوحدة , التوحيديون لايعرفون أكثر من الصراعات حول الرمزيات والنصوص , انهم لايتقبلون بعضهم البعض , وان اتحد وا فلا يتقبلون غيرهم , وهذا هو جوهر وحدتهم أو توحدهم في رفض تنوير عصر النهضة وبالتالي فشل النهضة …متحدون في السعي لتحقيق كل معالم الدونية , ومتفرقون في السعي لتحقيق ادنى مستويات التقدم والحرية .
بشكل عام يمكن اعتبار الاسلاميين صنفان , داعية يكفر ويهدد , وجهادي يحاكم ويقتل تطبيقا لارشادات الداعية , وقد يجتمع الصنفان في شخص واحد, لذلك فانه من الصعب فصل الداعية عن الجهادي , اذ سرعان مايتحول الشكل الأول الى الثاني ,هناك صنف ثالث هو الوسطية , الا أنه من الصعب جدا تعريف الوسطية الاسلامية لعدم وجود نمطا وسطيا ثابت من الاسلام المتنور ,نموزج يتصف بممارسة المساواة والسلمية والديموقراطية , لا وجود لمسلم ملتزم بأصوله الدينية وهو معتدل في فهمه للحقيقة , اذ لا اعتدال في فهم الحقيقة التي هي اما نسبية أو مطلقة , لا اعتدال في ضرورة أمر نشر الاسلام ,ولا اعتدال في أساليب نشر الاسلام التي كانت وبقيت تعتمد على القوة . ,
الاعتدال عليل ومن الصعب تعريفه وبالتالي التعرف عليه عند أرباب الوسطية كالقرضاوي , فما هو المعتدل عند القرضاوي ؟ الذي يتذبذب بين داعية وبين جهادي, ظاهرة الاعتدل افتراضية …اسم بدون مضمون ثابت , اسم مستعار للداعية وللجهادي في آن واحد وحسب الظروف التي تمليها ضرورة التنافق,
تعود عدم امكانية انتاج وسطية أو اعتدال الى عوامل عدة منها ايمان المسلم بأن عقيدته هي العظمى وأن دينه هو الاسلام العظيم, لنه الدين الذي نطق بالحقيقة الأولى والأخيرة والذي لامهمة له عمليا الا انتاج العكس من ذلك, ثم ان الشريعة تقدم الحلول لكل المعضلات ..الاسلام هو الحل!!!, القرآن يحتضن العلم عن كل شيئ …الاعجاز الذي مهمته السطو على نتائج العلم والادعاء بكونها متواجدة في القرآن, الذي سبق نيوتن في اختراع الكهرباء , ثم اعتقاد المسلم بأنتمائه الى خير أمة مما يزوده بقدر مميت من الغرور والفوقية , الايمان بوجود الأحكام والقواعد الصالحة لكل زمان ومكان ,وبذلك التبس على الاسلاميين الدواء مع الداء , فما كان في سياق تاريخي دواء تحول الى داء في سياق تاريخي آخر ومغاير .
لقد فشل القرضاوي وغيره في انتاج وسطية قابلة للتعريف والفهم والتطبيق , وبالتالي انتفت الفائدة من هذه الوسطية التي تمنع تهنئة المسيحي في عيد الميلاد هذه الأيام , فهل هناك من حل قد يمكن تسميته اعتدال وبالتالي وسطية ممكنة التطبيق وقادرة على الافادة والاستفادة منها؟؟؟؟
يتطلب مفهوم الاعتدال نوعا من التعديل , ليس في النصوص وانما في الممارسات , لم تغير أوروبا الانجيل وانما أسست لما يسمى المسيحية الاسمية , وعلى هذا النسق يمكن التحدث عن اسلام اسمي (اسلام لايت light), اسلام يمارسه عمدة لندن وعمدة أمستردام والعديد من المسلمين في أوروبا وفي المشرق وفي كل انحاء العالم ,اسلام يحول العلاقة بين الدين والشخص الى علاقة اسمية يقتصر مضمونها على الحد الأدنى من الدين والحد الأقصى من القناعات الشخصية , الانتماء للدين لايعني هنا أكثر ممارسات شكلية لبعض جوانب الحياة كمراسيم الزواج مثلا , فالدين الذي لايتقبل ممارسة شكلية في هذا العصر سيتحول الى اشكالية العصر, لايمكن للدين أن يتحول الى شكلية الا بنظام علماني يمكن عن طريقه حل اشكالية الدين وبالتالي تمكن الدين من الاستمرار في الوجود كدين اسمي !!
Post Views: 552