سمير صادق :
مصر ناصرية مع عبد الناصر وبدون عبد الناصر والناصرية , أغلب الظن بأن كاتب هذا الكلام بليغ جدا , فالمبالغة هي حزء من البلاغة , عبد الناصر على كل مكانته لم يبلغ حجمه حجم مصر , لقد تهيأ له ولغيره ذلك , وهذا ما مهد الطريق لولادة “تمظهرات الناصرية “, التي صبغت مصر بصبغتها , وكانت حسب معايير النجاح والفشل الموضوعية عبارة عن فشل أومشجعة للفشل !
هناك العديد من العوامل , التي جعلت عبد الناصر يعتقد بأنه مصر فمعظم الثقافىة الشعبية أوحت بأن عبد الناصر هو مصر , ففي مصر وغير مصر نميز بين ثقافة معيارية كتبت بلغة معيارية , وبين ثقافة شعبية مصاغة بلغة شفهية , للثقافة واللغة المعيارية من يتبناها ويحاول نشرها , وهؤلاء معروفون بالاسم , بينما لاوجود لمن هومعروف بالاسم وراء الثقافة الشعبية الشفهية ,انها ثقافة الاشاعات والتمنيات وحتى الخرافات والهذيانات ,هذه الثقافة كانت من نصيب اتباع عبد الناصر ومعظم من اراده وأيده.
لالقاء بين بين الثقافة المعيارية وبين الثقافة الشعبية ,لأنهم يسيران , بشكل متوازي , فلا تفاعل ولا تأثير متبادل ولا استيعاب متبادل , أي أن الثقافة المعرفية المعيارية لم تلتق مع ثقافة جموع عبد الناصر الشعبية , ولن تلتق ,اضافة الى ذلك كانت الثقافة المعيارية ذات المصدر المعروف مهددة , عن طريق لجوئها القسري لبلاط السلطة طلبا للاعتياش , وبالتالي ممارسة هذه الثقافة للانتحار , او اللجود الى معارضة البلاطات , وبالتالي قد تكون نهايتها في الماخور .
لم تكن الثقافة الشعبية معرضة للخطر الأول , لأنه غير مرحب بها على البلاط السلطاني , لعدم وجود من يحملها من المشاهير… الديكورات , ولا خطر عليها من انحدارها الى جماعات معارضة البلاطات , لأنها كانت من صنع سيد البلاط , الذي يضمن التهام كل مايريده من قبل الشعوبيين الشفهيين والغير مهتمين بعمق الفكرة انما بقشرتها , وهؤلاء كانوا أتباع عبد الناصر ,في واقع استثنائي وعقل استقطابي موزع بين المركز والهامش , بين ثقافة معيارية وبين ثقافة شفهية شعبية تمثل المركز مقارنة مع الثقافة الهامشية , التي تعاملت مع نجمها عبد الناصر بالحب الجارف وبالعواطف , التي لم تتأثر في كل الحالات بالواقع وشجونه ومشاكله , ولم تؤثر على هذا الواقع ,
الحب الأعمى تعامى عن كل مايؤثر على وجوده او يهدد هذا الوجود, الجماعة الشعبية المصرية كانت كالجماعة الشعبية العلوية في سورية ,جماعة مارست الحب الجارف الملتحف بالعواطف والبعيد عن العقلانية , عز عبد الناصر هو المصيغ لعز مصر وليس العكس , هذه الجماعة كنت منبهرة بعبد الناصر , الذي عمل بنية ايجابية من أجلها , وفي تعامله هذا كان نظيف اليد حقا , وهذا من نوادر رجالات السياسة في هذا المشرق , المهم كان عمله بنية ايجابية , وليس المهم ماقادت اليه أعماله …ان كانت تأميم قناة السويس , أو الأمر بسحب القوات الدولية قبل حرب 1967 , أو تأميم المرافق الاقتصادية , أو حتى الوحدة مع سوريا … التابع الشعبي استمع لخطاب الساعات وصفق لساعات ونام بعد ذلك قرير العين مطمئنا لساعات ,لم يهمه ما سيحدث غدا , ولا يريد تعكير مزاجه وشعوره بالرضا والسعادة لأي سبب كان ,وحتى سياط عبد الناصر التي جلد بها العديد من أفراد هذه الجماعة المنغرمة به , لم تؤثر على مشاعر الحب والانغرام به ….ضرب الحبيب زبيب !!,
هذه الفئة زورت كما زور عبد الناصر , تقبلت تحويل انقلابا عسكريا عام 1953 الى ثورة (اسمية ) ,وحتى الهزائم لم تعتبر من قبل ثقافة الأتباع الشعبية على أنها هزائم منسوبة لعبد الناصر , انها “نكسة” تسببت حاشيته بها , اضافة الى المؤامرة والمتآمرين ….. لاعلم للريس بتداعيات الفشل والفساد وما دار حوله , وكزميله الأسد أو صدام , حولوا كارثة 1956 الى نصر لعبد الناصر على العدوان الثلاثي , وذلك بغض النظر عن سير المعارك , وفي حرب 1967 انتصر حافظ الأسد على اسرائيل , لماذا ؟؟, لأن اسرائيل لم تتمكن من اسقاط النظام البعثي , لم يسأل الأتباع , لماذا لم تسقط اسرائيل النظام البعثي ؟, هل لأنها لم تتمكن من ذلك , أو لأنها لاتريد ذلك ؟؟ بالنسبة لأنصار الناصرية احتلت القوات المصرية في ايام الحرب الأولى تل أبيب , هكذا صرح أحمد سعيد بصوته الشبيه بصوت الدبابة من على “هنا القاهرة ” وأيده الشقيري , وقلدهم بعد سنين الصحاف وزير اعلام صدام !
في السياق المصري لايجوز تجاهل ماكانت عليه وبه مصر , وكيف أصبحت , وما حدث في الحقبة الناصرية ,هنا أريد الاعتراف بأن النظرة لمختلف التطورات انقلبت في معظم الحالات الى عكسها على يد الحقائق الصلبة , التي نراها الآن أمام عيوننا , الآن أشعر بأن الشعب المصري لم يكن يقظا , وكذلك السوري والعراقي ايضا , عندما امتلأت سجون السادة الحكام بمئات الألوف من مساجين الرأي والموقف , ولم تكن يقظة الشعوب كافية عندما تم حصر أو محاصرة الشعوب بالجوع والانخراط في هم القوت اليومي , لم تكن هناك يقظة عندما الهانا القائد الملهم بمسألة الاستقلال ومواجهة الاستعمار , لذلك رأى بأن سحق الحريات ضروري, والحزب الواحد أكثر ضرورة ,ثم الشخص الواحد والوجهة الواحدة …كل ذلك قاد الى اختلاطات تجاوزت حياة عبد الناصر , منها مسيرة البعث برفقة المادة الثامنة والحزب القائد , كحزب الاتحاد الاشتراكي الناصري , ولهذا الحزب كانت هناك أيضا مادة ثامنة غير معلنة “باسم” المادة الثامنة .
بالرغم من كل ذلك , لابد من استخدام معايير معينة لتقييم مرحلة من مراحل حياة الشعوب ,فحسب المعايير الاسلامية كان “الاسلامي !” عبد الناصر طاغية ضالة ,وحسب المعايير الماركسية كان عبد الناصر في قمة الضلال عندما صارع قوميا متجاهلا الصراع طبقيا , وحسب معايير البعث , كان عبد الناصر احتكاريا لمادة القومية العربية , وحسب المعايير الليبرالية الديموقراطية كان ناصر فاشلا لتغييبه للديموقراطية الاجرائية ….وبذلك كان تقييم عبد الناصر أمرا صعبا …لايبتعد الانسان بشدة عن الحقيقة عندما يقال بأن عبد الناصر كان مخلوقا “نزواتيا” بأفق ضيق ,وانعدام وجود منهجا وخطة مدروسة لتصرفاته , التي كانت نتائحها كارثية …
لم يكن عبد الناصر مختلفا عن ربيبه والمقتدي به كالقذافي أو صدام أو حافظ الأسد , لقد كان مصنعا لصناعة الأصنام , والفارق الوحيد والرئيسي بين الصنم عبد الناصر وبقية الفراخ من الأصنام خص نظافة اليد , هذه النظافة ميزيته عن غيره بشدة , وما ميزه عن بقية الأصنام كانت نواياه الايجابية , التي تحطمت على صخرة غوغائيته النزواتية , لقد كان له كم هائل من المريدن , الذي أحبوه فقط , لربما تسبب هذا الحب بشكل ما في مقتله سياسيا وعضويا , فعندما توفي كان سياسيا في عمر الزهور .. ولأنه لم يكن مصر , ولم تكن مصر عبد الناصر , توفي وبقيت مصر !
ملاحظة: رابط المقال :https://syriano.net/2019/11, ستكون لهذا المقال تتمة في الأيام القادمة
