عصر وباء العنصريات !

 نبيهة  حنا :

     طرحت   الحركات القومية  التي نشأت في ظروف الاستقلال  مشاريع عدة ,تمحور  معظمها  حول  فكرة وضرورة الوحدة العربية ,لم يتوقف  القوميون العرب   لحظة عن الترويج لهذه الوحدة , بالرغم من ان مشروع الوحدة  اندثر تحت أقدام عنصرية القومية العربية , التي أيقظت عنصرية القوميات الأخرى , كالكردية والسورية القومية ..الخ , لم ينتبه القوميون العرب على  قرب نفاذ ذخيرة الفكر القومي  كمحرك للسياسة ,  ثم لم ينتبه القوميون العرب , على أن شعاراتهم الزاعقة  لم  تنتج سوى  المشاحنات   والخلافات العربية-العربية,ثم ولادة  الحركات الانفصالية , كما لم ينتبه القوميون العرب على أنه لامعنى لشعار الاشتراكية  بدون بنية تحتية يمكن ان تتقبل تطبيقا للاشتراكية الاقتصادية  والسياسية والاجتماعية , كيف لمجتمع عشائري  بدائي بدوي  صحراوي أن يمارس اشتراكية علمية تخصصت في حل مشاكل مجتمع صناعي , والأعراب بعيدون عن الصناعة بعدهم عن الشمس والقمر .

لقد كان   على  القومي العربي أن يطور نفسه باتجاه  الديموقراطية !  هل هذا ممكن ؟؟ , وهل ترتيب الوحدة أولا ثم الاشتراكية , وبعدها الديموقراطية صحيح ؟؟ ,وهل   يمكن القول أيضا باستحالة الديموقراطية  في جو قومي   ثوري  مزيف…. هو   بالأصل  انقلابي  عسكري  ؟؟.

 للاستحالة   عدة   أسباب  . منها  تحول الفكر القومي الى أسير لدى فكرة الوحدة الخلاصية…. قال   جورج  طرابيشي  لم  تكن  الحركات   القومية  العربية  ديموقراطية , لأن الممارسة السياسية والتاريخية دفعتها  لأن تكون  كذلك , ولأن طبيعة بنيتها وتوجهاتها    الأساسية لاتسمح لها على الاطلاق أن تكون ديموقراطية  ولو أرادت !هل هذا صحيح؟؟.

الفكر القومي  عموما  معرض للتنكص العنصري  , خاصة في شعوب ذات مقومات قومية متعددة , والفكر القومي لايستطيح في حالة التنكص هذه أن يكون ديموقراطي , لأنه عنصري في أساسه , وازداد  عنصرية  عن طريق ايقاظ عنصرية القوميات الأخرى,  عنصريات  تشاحنت    ,ولم  تتلاحم   وتندمج  وتتوافق  مع  بعضها  البعض , لذا فان مقولة طرابيشي التي ترى استحالة ولادة الديموقراطية من رحم قومي صحيحة , والديموقراطية التي لها   أن  تولد  من رحم قومي مصيرها التحول الى أسطورة , كم تحولت فكرة الوحدة والاشتراكية الى أسطورة .

الديموقراطية هي الرحم , الذي يجب أن تولد منه القيم والأحلام الأخرى , ونظرة واعية  تقارن  بين الغرب والشرق  تكفي لفهم هذه الاشكالية , ففي أوروبا نشأ فكر قومي , اقتدى بيه الكثير من القوميون ..أنطون سعادة ..ميشيل عفلق ..الخ , وقد قاد هذا الفكر القومي  عن طريق تنكصه العنصري الى الحروب العالمية الأولى وخاصة الثانية  , انقضت الحروب التي خربت أوروبا  بشكل شبه نهائي , ولم تكن الخلافات  والمشاحنات  العربية -العربية  أقل كارثية بكثير , نفضت الشعوب  الأوروبية غبار الحروب   وتخلت عن   الفكر  القومي المسبب  للحروب , ثم تمكنت من خلال ذلك اعتماد  الديموقراطية وممارستها وتطويرها  ,  في ظل الديموقراطية وفي ظل اندحار الفكر القومي , استطاعت هذه الشعوب تحقيق وحدة تزداد يوما بعد يوم تراصا وثباتا , وفي ظل الديموقراطية انتهت اشكالية التناحر والتشاحن القومي , وانقراض هذا التشاحن سمح بمزيد من الحرية والمساواة  والتقدم ..هذه كانت المسيرة الأوروبية الناجحة , مقارنة بالمسيرة العربية الفاشلة .

   فشل  الشرق في تأسيس دولا   متقدمة  , تؤمن  لشعوبها مستويات اقتصادية  وسياسية -اجتماعية لائقة  , لا يعني  هذا  نهاية المطاف ,فلا ايوجد شعب الا وفشل يوما ما في مشروع معين   , الآن  لاوجود  للديموقراطية  , الآن   نقف  على الخراب  وعلى أنقاض الخلافات والحروب ..الآن يجب علينا القفز فوق الزمن ..علينا الاستفادة من خبرة  الشعوب  الأخرى  في تنظيم أمور الحياة ,نظريا كان بالامكان  استيراد نظم  مختبرة  ومطبقة في   أماكن  أخرى ,وبالرغم من قلة  الوعي  الديموقراطي لدى شعوبنا ,  كان  بالامكان الاقتداء  بمجتمعات  بدأت  بديموقراطية  من مستوى منخفض(ديموقراطية  ماقبل  الوعي  الديموقراطي ), و بالرغم من  عدم وجود  وعي  ديموقراطي   متقدم   نجحت فيصناعة   وعيا  متقدما  ,  وفي  صناعة  التقدم  !

من سوء حظنا استيقظت الأصولية الكامنة   بشكل فاحش  وداعش  المتوحش   ,  منبرية لأي تقدم ديموقراطي ومتحدية رغبة الشعوب والحاحها  على القدرالأدنى من الديموقراطية والحرية , أصولية تجثم على رقبة الشعوب العربية , وتريد سحق هذه الشعوب بأثقال الماضي المريب ..الشريعة ..الشورى ..الشوارب والذقون .رجال  الدين  وفلسفة الاسلام السياسي ..الغنوشي والقرضاوي ..والعرعور وغيرهم ..الولاية والخلافة  وأمير الؤمنين واغتيال الثورات ..تجييش الطائفية  وخلق وضع يتجه الى الوراء وليس الى الأمام ..  ثم  منطق  العداء للغرب ,وفي سبيل هذا العداء,  تريد الأصولية بذل الغالي والرخيص ..رفض كامل شامل للفكر الغربي بما يخص الحرية والديموقراطية , وتقبل كامل وشامل لاستهلاك منتجات الديموقراطيات الغربية ..من السيارة حتى الجوال الى مقويات الفحولة ..اصولية لا أغبى ولا أشر منها ..أصولية لاتسأل عن سبب مقدرة الغرب على صنع  الآلة , التي تستهلكها , فالبترول الذي سد رمق البعض , أعمى عقل وقلب  البعض  الآخر..الأصولية تشتري بالبترول ماتريد , وتعيق بالبترول أي تطور لاتريد …

بعد فشل تجربة الوحدة والاشتراكية والحرية  , يأتي  عصر  الاغتيالات   خاصة  اغتيالات  الثورات من  قبل  الأصوليات    ,,فالمشكلة لم تعد  بالدرجة الأولى عنصرية  القومية  , وانما  بالدرجة الأولى   العنصرية   الدينية مضافة  الى  العنصرية  القومية,فالبلاء    تضاعف, والأمل  بثورة  شعبية   اندثر  ..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *