وطنية آخر زمان !

 نبيهة  حنا :

   تاريخيا يمكن القول  على  أن مفهوم الوطنية  أوروبي المنشأ  ,  فقد نشأ هذا التعبير في أواخر القرن الثامن عشر    مرادفا  لنشوء الفكر  القومي ,  أحيانا   يتم المزج  بين  الوطنية والقومية  ,وكأنهما  قيمة واحدة …….

فرضت الوطنية  نفسها   كاطار  لتلاحم  الفرد مع  مكون  جغرافي  وشعبي واجتماعي  , اسمه الوطن  ..أي  أن نشوء مايسمى الدولة القومية أو الوطن جاء بالوطنية الضرورية لصيانة وحماية الوطن  , مفردة “الوطنية ” جديدة جدا في العالم العربي , وقد لايتجاوز عمرها مئة عام.الوطنية قناعة وادراك , والمواطنة ممارسة , وعندما تتباين  الممارسة عن القناعة والادراك  يحدث الخلل , الذي قد يقضي على الوطن , أو في أحسن الحالات تحويل الوطن الى موطن , أي ألى مايشبه الفندق , والخلل السوري الذي قاد الى تحول الوطن الى موطن  نجم عن  التباين بين  صحة  الوطنية نسبيا  ونظريا  وبين أخطاء المواطنة , خاصة من قبل السلطة , التي علمت البشر  الرياء ,  علمتهم  فنون التشدق الكاذب  وتزييف المواطنة , وعلمتهم  التدني  الأسطوري في المستوى  الأخلاقي للممارسة …..

الوطني الأول  هو المواطن الأول في سرقة الوطن , الوطني الأول  في حماية القانون  هو أول مواطن يخرق القانون ,الوطني الأول في  الاستقامة وعدم الفساد , هو أول مواطن يمارس الفساد , ولو حصرنا نظريا  كل جوانب  المواطنة  بجانب واحد هو الأمانة والاستقامة , وسألنا أنفسنا عن نسبة  الأمناء المستقيمين في  الرتل الأول أو الثاني من السلطة , هل يوجد بينهم  أمين أو مستقيم واحد ؟؟؟

لا أظن , مليارات الرتل الأول والثاني  وملايين الرتل الثالث والرابع هم البرهان القطعي على تدهور  الوطن بنيويا وأخلاقيا , وطن متدهور  لايستطيع  أن يحافظ على الوحدة الوطنيبة   , ولا يستطيع استرداد الأرض المحتلة ولا مقاومة الاستعمار , هو وطن عاجز ومعاق  ومعرض الى حروب أهلية تناحرية  ستقضي عليه نهائيا   .نحول   مفهوم الوطنية في الوعي  الفاعل للشعب  (البدائي) ليغدو مفهوما فاعلا للتفرقة الوطنية وقاتلا للوحدة الوطنية بشكل غير مباشر  ,ذلك  لأن  كثرة   استخدام هذه المفردة في تعريف  حالة  مواطن ما مقرون  بتكاثر استخدام مفردة  الخيانة في  تعريف حالة مواطن آخر  , ومن هنا يأتي “محصول” التفرقة  الوطنية لهذا الاستعمال , وبقدر مايتحدث الانسان عن وطنيين , يجب أن يتحدث عن خونة ,وهذه هي الكارثة  التي تقضي على الثقة بين  فئات المجتمع , وتقضي أيضا على  المساواة  , وتشجع الديكتاتورية  , بل هي ضرورة من ضرورات الديكتاتورية , التي تعتمد على الاقصاء والاستقطاب  والفردية…… ,

لا يمكن للديكتاتورية أن تبرر وجودها  منطقيا , الا عن طريق تأكيد خيانة فئة  ومواطنية فئة أخرى , والفئة “الوطنية” التي يمثلها الديكتاتور هي الفئة  التي  تحتكر الحكم  لأنها وطنية , أما الفئة الأخرى  فهي فئة الخيانة , التي  ينعم عليها الديكتاتور  , في أحسن الحالات, بالسجن الملطف  والتعذيب المخفف .. أي أنه يحاول تأديبها  وتدريبها  لكي تصبح “وطنية ” وتنضم الى قطيعه ..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *