محاولة لفهم الدين …

سومر  الياس :

لا يمكن أن يفهم الدين أو دور الدين في حياة الإنسان بشكل دقيق إلا عندما يفهم كمعرفة، كمعرفة الهية كما هو الحال بالنسبة للمؤمن أو ربما كمعرفة بشرية كما هو الحال بالنسبة للملحد أو اللاديني، معرفة كانت غايتها الأساسية والرئيسية هي حل مشاكل الإنسان.

واقع الأمر أن مشاكل الإنسان كانت تأتيه دائما من ثلاثة مصادر أساسية لا رابع لها، أولها مشكلته مع قوى الطبيعة الغادرة، وثانيها مشكلته مع الإنسان الآخر أو أخية الإنسان أو القايين الآخر الذي يتربص به، وثالثها مشكلته مع الموت.

فمنذ البدء واجه الإنسان مشكلة أساسية مع قوى الطبيعة ووجد في تلك العصور التي لم يكن فيها للعلم دورا مهما في حياته معينا ممتازا في الدين فلجأ الى الصلوات والطقوس والتعويذات والأضاحي لإتقاء غضب الطبيعة المدمر لحياته والغادر الذي لا يمكن التنبؤ به، يذكر أن في مصر القديمة مثلا وقبل تطور العلم ومعرفة أن سبب فيضان النيل هو كمية الأمطار التي تهطل في بحيرة فيكتوريا كان الفراعنة في كل سنة يلقون بأجمل النساء في النيل كأضاحي إتقاء لغضب الآلهه ومحاولة إسترضائها لكي لا يفيض النهر ويفسد الزرع والمحصول، و الملفت أننا في صلواتنا وتضرعنا لله لازلنا حتى اليوم لانكاد نخرج من تلك النقطة دائما وجل ما نطلبه من الله بشكل أساسي هو أن يكفينا شر المستخبي من تلك القوى الطبيعية العصية على السيطرة، لكن الملفت للنظر أيضا أنه وكما توقف الطقس الديني في مصر القديمة مع تطور العلوم وبناء السدود فإننا كذلك نتوقف عن الدعاء أيضا ونذهب الى الطبيب عوضا عن ذلك اذا ما اكتشف المصل وعرف الدواء، فطالما الدواء غائب فالدين ظهيرنا واذا ما حضر الدواء نسينا الدين، ولكن المشكلة أن معارفنا تبقى ناقصة دائما وكلما حل العلم مشكلة ظهرت مشكلة أخرى أعقد، وهكذا يستمر الدين وتستمر المعرفة الدينية بلعب دور مهم في حياتنا لتسد دائما كل فجوة في معارفنا.

بالنسبة لمشكلة الإنسان مع أخية الإنسان الآخر فقد عرف الإنسان بالتجربة والخبرة أن مصدرها دائما هو الشهوة، الشهوة للمال، الشهوة للسلطة، الشهوة للتفوق والتسيد على الآخرين، الشهوة للاستعباد وطبعا الشهوة الجنسية سيدة الشهوات كلها، حاولت كل الاديان حل مشكلة الشهوة بطرق متعددة وكل حسب طبيعة البيئة وطبيعة الجغرافيا وطبيعة الانسان، فقد قامت الاديان السماوية مثلا بحلها اما عن طريق تنظيمها وتحديدها بشرائع وحدود كما في الحالة اليهودية والاسلامية او عن طريق قمعها بتعاليم وبشكل راديكالي قاسي كما هو الأمر في الحالة المسيحية.

وكما كان العلم يتدخل دائما لمساعدة الدين بتقديم المصل وتقديم الدواء للتغلب على قوى الطبيعة كانت الفلسفة أيضا تتدخل لمساعدة الدين ومحاولة الحد من الشهوة وتنظيم علاقة الانسان بالانسان الاخر بالقوانين الوضعيه والمدنية، وانك إذا ما نظرت الى أي قانون مدني في اي دولة علمانية ستجد أنه امتداد للدين في هذه النقطة وستجد أن محور هذا القانون دائما هو كيف نحد من شهوة الإنسان لكي لا تصبح مؤذية لاخيه الانسان، حتى أن هناك من يعتبر أن الكلمة النهائية في السياسة عموما أو في اي تنظيم إجتماعي ناجح هو أن كيف لنا أن نحد من شهواتنا وغرائزنا في ضوء تجربتنا، فكما أن للاديان الهتها الذين يفهمون الشهوة البشرية تماما ويحدون منها بشرائع وتعاليم فكذلك للدول العلمانية مشرعيها الذين يفهمون الشهوة البشرية ويحدون منها بقوانين. وربما يعود سبب تفوق الدول العلمانية عن تلك الدول التي لازالت تحد من الشهوة من واقع وحي الهي سماوي الى تفرق أتباع هذا الوحي الى شيع وطوائف مختلفة تتقاتل فيما بينها و انقطاع صلتنا بالسماء منذ زمان بعيد عبر الأنبياء والرسل لمعرفة أين يقف الله وفي صف اي طائفة من طوائفه الكثيرة فيما على الطرف الآخر نجد العلمانية متماسكة وواضحة وتراعي مسالة التطور البشري وتقدم الزمان وما يطرأ على هذا الوجود بإستمرار من مستجدات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *