الوحدة التعيسة وتداعياتها البائسة !

فاتح  بيطار :

في  هذه  السنة تعود  علينا  الذكرى  الواحدة  والستين  لقيام  الوحدة  بين سوريا ومصر  وتأسيس الجمهورية العربية المتحدة , التي عمرت أقل من أربع سنوات الى أن أطاح بها  انقلاب عسكري.

يمكن  التعرف  الآن في  سوريا  على ثلاثة  مواقف  بخصوص    مفهوم  الوحدة  , هناك موقف  لامبالي  وموقف  معارض  ثم  موقف  مؤيد  , وما  يريده  هذا  المقال  هو طرح  وجهة نظر  معارضة  للوحدة أو بالأصح  للتداعيات  الارتدادية  المنتظرة  من خطوة خطوة  فاشلة , فشلت الوحدة  وساهم فشلها  في افشال  تطورات  وتصورات وحدوية مستقبلية ,  الفشل كان متوقعا, والانفصال كان حتميا  , ذلك لأن هذه الوحدة ” الاندماجية” لم تكن  الا  عملا مراهقا  اعتباطيا  لمراهقين  في السياسة  , سواها سوى   أعمال أخرى  لربما  أكثر كارثية من فشل هذه الوحدة   مثلا حرب ١٩٦٧  وغيرها من الحروب  التي  لم يكن لها من نتائج الا  زيادة الرقعة المحتلة من قبل اسرائيل  ,  انتكست الوحدة  وكان لها أن تنتكس , تعثرت وكان لها أن تتعثر  , وفشلت  ولم يكن لها  من مستقبل الا الفشل .

طريقة الدول الأوروبية  في توحيد أوروبا  أوضحت العديد  من  تداعيات  الوحدة السورية المصرية  , وغيرها من مشاريع الوحدات , كمشروع الوحدة الليبية التونسية أو الليبية اليمنية أو السورية العراقية ١٩٧٩, اذ أن سبل الوحدات العربية الفاشلة  تمثل  سبل التوحيد الأوروبي معكوسة ,  فهناك  التكامل   ثم الاندماج , وهنا الاندماج ثم التكامل.

لاتستحق الاعتباطية العربية  ذرف دمعة واحدة  على نتائجها ,  الدمع يجب أن يذرف  أنهارا  ليس على فشل الوحدة , وانما  على   اصابة  حاضرنا  بمرض  التفتت   الذي  انتقل  الى  الحاضر , التمكن  من  الانفصال   جعل  التفتت ممكنا  على  الأقل  من  الناحية  النفسية الوجدانية , فبداية رياح    التفتت عصفت بالعديد  من  الدول  العربية   بعد  الانفصال  , وحتى  الانقلاب  الذي كان  من   أهدافه نقض  الانفصال  ساهم  في  تكريس  الانفصال وساهم في  التأسيس الى  تشرذمات  لم تبلغ  في  سوريا   لحد  الآن  أقصاها   ,   فالسنين  بعد  الانفصال  ولحد  الآن   لم  تعرف  الا ظاهرة  التجزئة  لما كان  ظاهريا   موحدا, لايمكن  لكيان  قطري   أن يتوحد مع  كيان  قطري آخر  لتشكيل  دولة   أكبر  وأقوى  , عندما   يكون هذا  الكيان  القطري  مصابا  بمرض  التجزأة , الأمثلة  عديدة    فهناك  سوريا  والعراق  واليمن والسودان , وهناك من يتوقع قيام ١٥ دولة أو دويلة  عربية على أنقاض  ٥ دول عربية  , ومن سوريا وحدها  قد   تولد عدة دويلات   منها  دولة للعلويين  , الذين يقال  ان  ٩٥٪ منهم  يريد  انشاء دولة خاصة بهم .., هناك  الأكراد   أيضا  وهناك يقظة  سيريانية   آشورية , وهناك  انعدام  الثقة   بأي  مشروع  وحدوي  بين  الدول  العربية , فكيف    ستتحد  دولا  مع  بعضها  البعض  عندما  تكون  هذه  الدول  داخليا  ممزقة ؟؟, لاوجود  لدولة عربية واحدة  لاتعاني  من  التمزق  الاجتماعي والسياسي  وحتى  الجغرافي  في  البعض منها ,  التمزق   ليس  مرضا  مكتسبا  وانما  ولاديا  ومتواجدا   بشكل  كامن   أو ظاهر  منذ  قيام هذه  الدول ,.

 اذا  كان  التعلم  من تطورات  الاتحاد  الأوروبي  ممكن , فانه من  المستحيل  أو حتى  الضار  التعلم  من  تطورات  الوحدة  السورية  المصرية , لقد  كانت  هذه  الوحدة  ممثلا  شرعيا للسياسات القاصرة  وبالتالي المدمرة , حتى انه من الخطأ  تسمية  الخطوات التي  قادت الى    الاندماج   بأنها خطوات “سياسية ” لقد كانت  تلبية  لنزوات  شخصية  أو فئوية كالبعث  وطموحاته , فالسياسة كما هو معلوم  هي فن   التوصل الى أقصى مايمكن من منافع ,  وقد كان على السياسي  الذي يستحق هذا الاسم  أن  يعرف سلفا  على أن  موضوع الاندماج غير منتج  , وذلك لأن  البدء كان معكوسا  ..أولا تكامل  وبعدها اندماج   وليس العكس  .

يقول البعض على أن  ضرورة الوحدة تكمن  في المشاعر الجياشة  والشعور  بالهوية المشتركة  والمكانة العاطفية للوحدة  لدى الانسان العربي  , ومن  يستند على  اعتبارات رومانتيكية من هذا النوع   لايستطيع  تحقيق  الوحدة المادية  , أي انشاء دولة واحدة  , ذلك لأن الوحدة ليست ضرورة نفسية وجدانية  فقط  وانما ضرورة مادية وامكانية مادية   تفرض نفسها تلقائيا  عند التمكن  وعند  الضرورة ,  فقبل   اتحاد  الدول  يجب اقامةهذه  الدول  , وما نراه من كيانات  لايمثل “دولا ” بالمعنى العلمي لهذه المفردة  , وأسباب عدم وجود دول  جلية , فالنهب والسرقة والفساد والديكتاتورية والتسلط  واغتيال الحريات  واللاقانونية  لاتؤسس “لدولة” ,شعوب  تتنكص  وتتحول  الى طوائف  وعشائر , جيوش   تتنكص  وتتحول  الى ميليشيات  خاصة … تلاشت “المواطنة”  لعدم وجود وطن  يمكن به ممارستها , المواطنة أصبحت مادة للدجل  والتوظيف  من أجل الكسب ,أخشى   أن تكون سوريا عبارة عن  كيان  استبدل الاستعمار الخارجي باستعمار داخلي  أظلم   واعتى  من الاستعمار الخارجي ,  ولطالما سوريا “مستعمرة ” لذلك فانها  لاتمثل دولة , ولا يمكن لها أن تتحد مع دولا أخرى .

انها  وحدة  شعوب  قبل  أن تكون  وحدة  زعامات , ولا يمكن للشعوب   أن  تتوحد في  اطار   دولة جديدة  الا  من خلال  شرعية تمثيل  هذه   الزعامات للشعوب ,فالزعامات  هي  التي تنفذ   مشروع  الوحدة  وتضع  شروطها  ,الزعامت  بشكل  عام هي  زعامات  انقلابية  قسرية , مصدر  السلطة لم يكن  الشعب  وانما  الانقلاب والتزوير  والتضليل  , فالوحدة  هي   خطوة  عملاقة  من  الصعب   انجاحها  الا   بتوفر  الديموقراطية  القطرية  في  كل  قطر   يريد  انجاز مشروع  الوحدة ,  تسير   الدول  الأوروبية  في  طريق  التكامل  , وكل  الدول  الأوروبية ديموقراطية  أو حققت جزءا كبيرا  من المشروع  الديموقراطي  المتجدد والمتطور  باستمرار ,  ولأننا   نمثل  العكس  الأوروبي , هم  نجحوا  ونحن  فشلنا .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *