عن اشكالية الباطنية السياسية !
جورج بنا :
هناك من يتحسس بشدة عند سماعه “مفردة ” الباطنية , المعاكسة في دلالاتها “للظاهرية ” , التي تمتاز الأكثريات المذهبية بممارستها , بالمقابل تمتاز الأقليات المذهبية بممارسة الباطنية , فالباطنية التي نقصدها في معظم الحالات ليست مؤسسة على الدين وعلى العقيدة , انما هي خاصة تصب في عمق الحياة السياسية السورية , فالسياسة في هذه البلاد بشكل عام “باطنية” , تعتمد على اخفاء النوايا والمشاريع , لتصبح نوعا من المؤامرة ومن التخطيط السري الذي لاتتم تتم المصارحة به , أي لاتتم ممارسة الظاهرية به .
البعث كمنهج سياسي أصلا لاديني , امتاز دائما بنزعة روحانية وبكونه “اسلام” كما أكد عفلق ذلك , البعث العلماني , كما يدعي , يهدف الى بعث أمجاد افتراضية لأمة بلغ سخفها انتظار ظهور المهدي , وبلغ انحطاط عماماتها درجة الالتزام بمفهوم الولاء والبراء , أمة لاتمت بأي صلة الى تنظيرات البعث حول الاشتراكية ثم فصل الدين عن الدولة , من جهة يريدون فصل الدين عن الدولة , ومن جهة أخرى يريدون بعث أمة الدين والدولة من جديد , وبالتالي يضمرون ما لا يظهرون , وهم بذلك من رواد الباطنية السياسية , التي لاتختلف من حيث الآلية عن عجائب المعارضة التي تمارس الباطنية السياسية خاصة معارضة الاخونج , التي ارادت دولة مدنية كأنها دولة روسو أو هوبز , بعد جهد أفصحوا عن معالم هذه الدولة وقالوا انها دولة مدنية بمرجعية اسلامية , أي أنها دولة اسلامية , الآن يريدون دولة المواطنة , وعلى السؤال ماهي علاقة هذه الدولة بالشريعة لايجيبون , معظمهم يختبئ في هذه الحالة خلف نوع مشوه من الديموقراطية , التي يترجموها بالصندوق , سبب لجوئهم للصندوق مؤسس على اعتقادهم بأن كل مسلم هو اخونج , وبذلك ستأتي الصناديق بالموافقة والرغبة في اقامة دولة اسلامية , والأغلبية هنا حسب تقديرهم تتراوح بين ٦٠ الى ٧٠٪ من أصوات الناخبين ,
على المستوى الفكري المسلكي نجد أشكالا فظيعة ومفزعة من أشكال الباطنية , هناك الاسلامي الذي يشتم داعش بدون انقطاع , الا أنه يصفق لانتصارات داعش على الأرض , وليس هذا فقط , انه يعتبر نفسه ثوري ويفخر بذلك , لأن الثورية تضعه في مصنف الأحرار المناضلين من أجل الحرية والديموقراطية ضد الاستبداد والديكتاتورية , الا أنهم في نفس الوقت مجاهدين يجاهدون في سبيل الله ورسوله والاسلام وليس من أجل الديموقراطية والحرية , ويرفعون الرايات والشعارات الدينية , وبذلك يصنعون مشهدية شديدة التعقيد , فما هي علاقة الديموقراطية بالاسلام ؟؟ وهل يمكن للدولة الاسلامية التي يحلمون بها تحقيق شروط الديموقراطية ؟ , وهل كانت الكيانات الاسلامية التي سميت مؤخرا “دولة ” ديموقراطية , وهل تستتب أمور الديموقراطية بالتوريث ؟ وهل ابدع الخلفاء ديموقراطيا ومدنيا أو علمانيا ؟ لقد برهنت الأحداث والتطورات على أن الاسلامي هو حقيقة داعشي بامتياز , وأنه مؤهل لاستخدام السكين والساطور في أي وقت عند الحاجة , الا أنه شاتم لداعش أيضا بامتياز ….هل يعبر شتم داعش في هذه الحالة عن معارضة لداعش ؟ او عقابا لداعش لعدم تمكنها في الانتصار وضمان استمرار وتوسع الخلافة؟؟؟
الباطنية في موسوعة الاسلام لمحمود عكام هي وصف للفئة التي تقول بوجود معنيان للنصوص الدينية , المعنى الأول يفهمه الناس لغويا , والثاني باطني لايفهمه الا من انتقاهم الله لهذه المهمة , مايعرفه هؤلاء لاتعرفه عامة الشعب, تعميا يمكن القول بأن جميع التيارات السياسية في سوريا ما هي إلا تيارات محافظة غيبية ,تؤمن بأن هناك ذاتاً عليا تلقي اليهم بالارشادات , وتجعل منهم نوعاً من الخاصة, كفرقة ناجية….. ,أوصفوة تستثمر في الآخرين مؤقتاً ريثما تصل إلى السيطرة عليهم, وبعد ذلك فلكل حادث حديث .
الباطنية ليس دينية حصرا , لابل يمكن القول بأن الباطنية الدينية أقل ضررا من الباطنية السياسية وأقل انتشارا من الباطنية السياسية ,حتى أن معتقدات الباطنية الدينية لم تعد بتلك الأهمية التي تملكها الباطنية السياسية, ولم يعد لها ذلك التأثير على حياة الناس , الا من ناحية واحدة وهي ناحية الامام المعصوم الذي يوازي النبي من حيث العصمة ومعرفة الحقيقة , ويوازي الديكتاتور المتأله المعصوم عن الخطأ والعارف بحقائق الحياة.
لابد هنا من التنويه بأن مقاربة الباطنية السياسية مع الباطنية الدينية , تعتمد على الشكل المبسط جدا والعملي للباطنية الدينية , التي تتضمن من المفاهيم أكثر بكثير من مفهوم الامام المعصوم , هناك عدد كبير من مفاهيم الباطنية الدينية التي لم يعد لها تأثير يستحق الذكر على البشر الذين يعيشون في اطار الدولة السياسية , التي عليها اعتماد الشفافية في ادارة البلاد , فالشفافية هي العلاج النوعي للباطنية السياسية .
Post Views: 484