عن لغة الافلاس الخشبي-الاسطواني !
سمير صادق :
تتضمن خطب الزعماء والرؤساء العرب نمازج من المقولات والشعارات التي تتكرر وتجتر في معظم المناسبات كمقولة الشعب السوري واع”للمخططات”التي تدبر ضد بلاده , اضافة الى كونه مقتدر على التصدي لتلك المخططات, وقادر على الانتصار في حرب كونية تستهدف وجوده واستقلالية ارادته, ثم أمنه وتلاحمه وحماية سوريا القوية العزيزة …. لأنه شعب متمسك بوحدته وعروبته, شعب تدعمه الشعوب العربية من المحيط الى الخليج ,وكل القوى المتمسكة بعروبتها , التي تعزز منعة سوريا وايمانها بالمستقبل , فكل ما تتعرض له سوريا هدفه ابعاد السوريين عن عروبتهم , التي طالما تمسكوا بها …الخ شعب يحارب بالعروبة ومن أجل العروبة … !!!!,تصفيق أو تكبير أو كلاهما !
اين هذا الكلام من الكلام الاسطواني ؟,فالكلام الاسطواني هو الكلام المتواجد على اسطوانة , والاسطوانة تدور بعد وضعها على الجهاز بكبسة زر , شرط توفر الكهرباء , وبكل دورة تردد الاسطوانة ما قالته في الدورة الأولى , هذه الاسطوانت محببة من قبل المؤمنين , مثلا اسطوانة عطر الكلام بجزئين للشيخ أبو اسحق الحويني , عطر الكلام يعطر الأجواء مجددا بعد كل دورة , نموزج الكلام سابق الذكر مخصص سياسيا لتعطير أجواء السياسة أيضا , سيان ان كان التعطر ديني أو سياسي , فميزة هذا الكلام هي الاعادة والتكرر والاجترار كالاسطوانة , لذلك يطلق على هذا الكلام صفة الكلام الاسطواني .
الكلام الاسطواني هو صنو أو توأم الكلام الخشبي , فالخشبية هي لغة مكونة من قوالب وصياغات جاهزة , فقدت روحها بعد أن تم الاعتياد عليها وبالتالي تحولت الى مجرد “ضجيج” , كما وصفها المفكر السعودي بالقول ان العرب أمة صوتية , يحتاج الكلام السياسي القاصر والذي لامضمون به ولا رصيد له , الى لغة خشبية تحمله الى المستمع , حيث يتنكص هذا الكلام شكلا ومضمونا الى ضوضاء مزعجة .
لكي لايكون اتهام الكلام الخشبي -الاسطواني ,بأنه كلام ميت, افتراء وتجني , يجب محاولة البرهنة عن موت هذا الكلام , القول بأن الشعب السوري واع ومقتدر على التصدي للمخططات الشيطانية التي تحاك ضده هو كلام ليس فقط ميت , وانما مميت ومجانب للواقع المحبط , ثم انه كلام مخدر , ومن يستكين الى مضمونه هو بمثابة منتحر , لاروح في هذا الكلام لأنه كلام متوهم وفاقد للمصداقية والموضوعية والأمانة , فالشعب الواعي لايسمح أن تتحول سوريا الى مزرعة أو مملكة أو جملوكية , انه حقيقة شعب لايعرف الوعي اطلاقا لأنه لم يسمح له طوال عشرات القرون أن يكون “وعيا”, والقول بأن لايعي ليس انتقاص أو تشهير أو هجاء , انه دعوة لادراك الواقع كما هو , وليس كما يريد البعض تصوره …ان كان للمؤامرة من وجود , يجب اعتبار القناعة بهذا الكلام من أعظم المؤامرات وأشدها فتكا وتخريبا بالبلاد , هذا الكلام تمويهي بقصد السترة , منظومة السترة هي منظومة الاعتراف الغير مباشر بالفشل ,وممارسة للرياء والتلفيق والتكاذب على الذات .
قمة خشبية الاسطوانة نجدها في القول بأن الشعب السوري متكسك بوحدته! , وكيف هي هذه الوحدة بممارسة التقتيل على الهوية! , اليس الحديث عن وحدة الشعب السوري كلام معلب جاهز وفي قالب , وعن العروبة ومدى تعلق الأعراب بها وتضحياتهم من أجلها , هذه ليس لغة خشبية-أسطوانية فقط ,انما اضافة الى ذلك أيضا لغة سوفييتية مشوهة للفكر والحقيقة …كتشويه واقع شعوب الاتحاد السوفييتي , فهذه الممارسة التشويهية حكر على ديكتاتورية الشخص أو الحزب أو الدين أو أي نظام تسلطي استبدادي , كادعاء وكلاء العسكر البدوي , بأن شعوب بلاد الشام كانت تواقة لمن يحكمها ومن يستعمرها , وسعيدة جدا بمن حكمها مؤخرا ولمدة ١٤٠٠ سنة , لقد كانوا أرحم الفاتحين , هدف التركيز على “أرحم الفاتحين ” وتجاهل أمر “الفتح” المجرد كان ولا يزال تعطيل الادراك واغماض العين وثقب الذاكرة واغلاق الأذن , يجب أن نكون سعداء برحمة الفاتح , أما موضوع الفتح واحتلال بلادنا فلا علاقة لنا بذلك , هكذا أمر الله , أمر برؤية بياض رحمة الفاتحين الذي عليه تغطية سواد الفتح … أمر بتقديم الشكر للفاتح لكونه رحيم , وعدم رفض الفتح لكونه ممثل لارادة الرحمن الرحيم , فضيلة الرحمة غطت على رزيلة الفتح , انتصار الفاتح أهم من هزيمة شعوب بلاد الشام ,تقدم الفتوحات وتوسعها أهم من اذلال الشعوب وتأخرها ,
تحولت اللغة الخشبية -الاسطوانية الى قسيمة دخول الى البلاطات الفرعونية المتسلطة , فمن يتقن فنون صياغات هذه اللغة الميتة ينجو من ساطور الفرعون , ومن لايتقن هذه اللغة الميتة يموت بساطور الفرعون , انها لغة التلفيق والرياء , لغة حولتنا الى مجتمعات الفشل ..مجتمعات التكسب البلطجي على البلاط, فمجمل كلام المتسلط العربي خشبي بامتياز …كلام الممانعة والمجابهة والمقاومة وتحرير فلسطين وصلاة نصر الله في المسجد الأقصى , انه كلام المتأخرين عقليا , انه كلام افلاسي ومعبر عن حالة افلاسية !
Post Views: 558