الاصلاح باستقلالية الدين والدولة …
سمير صادق , ممدوح بيطار :
تمركزت محاولات بعث نهضة حداثية عربية بمعظمها حول النقد الديني الاصلاحي , كل المفكرين العرب مثل علي عبد الرزاق والجابري وأركون وجعيط وحسين مروة ثم العظم وحامد أبو زيد وعزيز العظمة وغليون والكثير غيرهم , وجدوا بأن معظم اشكاليات هذا العصر تتمحور حول ثنائية المعاصرة والتراث وضرورة التوفيق بينهما ! , هناك من ظن بأن اشكالية تزاوج المعاصرة مع التراث قسرا يمكن أن تعالج دون التعرض للدين , هذا الأمر ممكن عندما لايكون مجمل التراث ديني , وممكن أيضا عندما يقف الدين محايدا تجاه العصرنة , التراث ديني بامتياز ومعارضة العصرنة تراثية وبالتالي دينية أيضا , لذا لا مناص من التعرض للدين .
يعيش الانسان العربي مرغما على الاستقطاب لأحد طرفي محور متعاكس القطبين , هناك قطب التراث الذي يجذبه الى جهة , وقطب الحداثة والعصرنة الذي يجذبه الى جهة أخرى ,ولما كانت الحداثة ومواكبة العصر ضرورة لايمكن بأي شكل من الأشكال تجاهلها والاستغناء عنها , لذلك تحولت المعارضة الدينية للعصرنة الى عبئ ثقيل من الصعب العيش معه , ولمن يريد الاندماج مع العصرنة , وقف له الدين ورجال الدين بالمرصاد , وفي جعبتهم العديد من الأمكانيات منها المادية ( البترول) , لذلك نرى هنا وهناك انتصارات للقطب المتحفي الماضوي بفعل المال وعن طريق توظيف هذا المال في الصراع مع الحداثة.
انه من المستحيل أقلمة العصرنة مع التراث الديني , الا أنه من الممكن ومن الضروري محاولة أقلمة الدين مع متطلبات العصر ,فالدين الذي يعتمد على القدسية وتعالي الثوابت , يحرم نفسه من امكانية التطور عن طريق احلال البراغماتيكية محل الدوغماتيكية , الدين مخصي تطورا بسبب الثوابت التي يحرم نقدها , لذلك لاعصرنة مع الدين .
يظن البعض أن احترام الأديان يعني الامتناع عن نقدها , ومعايير الاحترام التي يروجون لها ضبابية هلامية ومبهمة وفي معظمها , امتثال وتسليم ثم طاعة وانصياع ,الاحترام حسب معايير الاخونجية بديهية لاتناقش , وهم من يحدد ماهية الأحترام وشكله وطريقته وهدفه ونوعه , ماهيات الاحترام الأخونجية ليست متبادلة ولا يحق لغيرهم ما يحق لهم , انهم يحتكرون الحقيقة الالهية المقدسة وغيرهم مرفوض لأنه مدنس , لذلك لاوجود لنقد مفاهيمهم , بينما تعتبر الحداثة والمدنية النقد من اول أوليات التقدم وتحسين شروط الحياة وبالتالي “احترام ” الحياة , الامتثال والتسليم ثم الطاعة والأنصياع والظن بامتلاك الحقيقة المطلقة المقدسة ثم التوافق العصبوي اي الولاء والبراء نفاق واحتقار للحياة والأحياء , يمثل كل ذلك أمراضا نفسية وعقلية خبيثة تقضي على الحياة والأحياء وبالتالي على الأوطان الممثلة للشكل الوحيد الذي يعيش به البشر منذ زمن طويل , بالرغم من عمومية تطبيقات مفهوم الوطن عالميا لاتعترف الأصولية بالوطن بل بالأمة , التي لاتعرف حدودا جغرافية , بالنسبة للنقد لايهمنا معرفة من حرمة , ولا نعترف بمن حرمه , وليس علينا التقيد بما تم تحريمه !.
سيتعرض أي دين يعتبر الاستسلام له والانصياع لارادته أمرا بديهيا , للصعوبات بشكل متزايد , بذلك يتحول هذا الدين الى اشكالية ,الى مشكلة تمنعه وتعيقة عن حل أي مشكلة حياتية , ومع التقادم يبتعد الدين المقدس باضطراد عن الأرضية ويزداد توغلا في السماوية , هذا الدين سيتحول الى عقيدة المتاعب المتزايدة , دين متجمد بهذا الشكل أو اي عقيدة أخرى متجمدة هو دين يتجه نحو الانقراض , أي انقراض أتباعه حضاريا لعدم تمكنهم من تقديم المفيد للحضارة البشرية, وهل للدين أي قيمة عندما يفقد مريديه ؟, أوعندما يفقد هؤلاء المقدرة على ممارسة قواعده وأحكامه !!,من ينظر الى الدين واحكامه ومتطلبات ممارسة طقوسه والتقيد بأحكامه والى ممارسات أكثرية اتباعه يشك بوجود مؤمنين حقيقيين , يمثل عدم وجود مؤمنين حقيقيين انقراض الدين , الدين عموما على شاكلة اتباعه , عندما ينقرضوا ينقرض !!!!
تحول القداسة وتعالي الثوابت النقد الضروري لضمان حيوية أي عقيدة الى استحالة تحريمية, خاصة عند جهوزية تطبيق الحد الأقصى من العقوبات تجاه أي مساس بأصغر جزئية من المفاهيم الدينية , هناك التكفير الذي يحلل دم الكافر , وما معنى “كافر”؟؟ ؟ الكافر هو من اتباع دين أخر كالكتابي , افظع اشكال الكفر هي “الردة” ,التي تستوجب اقامة الحد , الذي لاحدود لضراوته ووحشيته ,قد يكون رجما أو صلبا أو ذبجا أو حرقا أو خنقا بالاغراق الخ , انحسر حد الردة عمليا وأصبحت تطبيقاته نادرة ,واقتصرت في غالبية الحالات على الاستعانة بالله الجهنمي والتهديد بجهنم ,الله القادر على كل شيئ سيضع هؤلاء المرتدين في أحد أفران جهنم , فمن لايمكن معاقبته على الأرض , تتكفل السماء بالقيام بهذه المهمة .
يريد الدين السياسي (الاخونج) ممارسة الوصاية الكاملة على الانسان على الأرض وفي السماء , وكون موضوع السماء غيبي ومشكوك به , لايقلل كثيرا من امكانية اجحاف الأرض بالانسان , أي أن الانسان معرض للنيل منه أرضيا عن طريق ارغامه بشتى السبل على الانصياع الكامل والاستسلام لما يطلب منه, لامفر لك ايها الانسان فأمامك جدار شاهق من المطلقات الدينية وتحريم نقدها , انه قدرك أيها الكافر , فاستسلم لرب الأرض ورب القبر ورب جهنم أيضا! .
تمثل العلاقة الدينية الفردية اي الشخصية في تفاعلها وانتظامها مع الخالق روحانيا ومع بقية البشر حياتيا الشكل الصحيح والسليم ,الذي تم تشويهه باعتبار الدين والايمان امرا اجتماعيا أي سياسيا ,وبالتالي وصيا على ايمان الفرد وعلاقته بالخالق , ثم وصيا على مسلكيات الفرد سياسيا -اجتماعيا ,هنا تم تغييب الشكل او المعنى التعبدي الديني,عن طريق تهجينه الى سياسة واجتماع (الاخوان ) , المقدس لايتحمل النقد لذلك يمنعه , والسياسة تموت بدون نقد , مفارقة قضت على الدين عند الاخوان , وقضت على السياسة عند الاخوان , وبالتالي ساهم الاخوان في خراب الأوطان بشكل رئيسي
هذه الشعوب بحاجة ماسة الى معالجة قضايا الدين والايمان القاتل للحرية والابداع , ليس من أجل تهجين المجتمع لتقبل الدين كبديل عن المعاصرة , وليس من أجل تهجين الدين ليصبح جزءا من المعاصرة ,فكلاهما صعب وعسير الى حد الاستحالة , الهدف هو اقناع الدين بأن معركة مواجهة المعاصرة ستنتهي بهزيمته , لذلك عليه الانزواء في معابده , وممارسة استقلاليه في فضائه التي لاينازعه عليها أحد .
Post Views: 740