أنقذوا المسيحية في سوريا !

سلام كواكبي:

انخفض عدد المسيحيين في ظل حكم السلطة “حامية الأقليات” من 15 بالمئة سنة 1970 إلى 4.6 بالمئة سنة 2008. وكانت الدولة تصرّ على تضخيم النسبة الى حوالي 10 بالمئة والكنيسة إلى حوالي 7 بالمئة.

يعود سبب النقص العددي لدى الطوائف المسيحية في سوريا قبل قيام الاحتجاجات الثورية في سنة 2011، إلى تقاطع عدة عوامل من أهمها: الهجرة لأسباب اقتصادية أو سياسية والنقص في معدل الولادات بالمقارنة مع الأديان الأخرى بسبب الارتفاع النسبي في مستوى الوعي المرتبط بالمستوى التعليمي.

كما ساعدت دولٌ بعينها في تسهيل هذه الهجرة تحت مسميات عدة منها ما يتعلق بتمدد التطرف الإسلامي، مما يستوجب مساعدة الأقليات. فحصل كثيرون منهم على تأشيرات مُيسّرة. كما أفاد وجود شبكات علاقات عائلية منتشرة منذ بداية القرن الماضي في أصقاع العالم الأربعة في تأمين المرحلة الأولى من الانتقال والمكوث. إضافة إلى عوامل عديدة أخرى تستحق بحثاً معمّقاً.

بالمقابل، يغفل كثير من المتابعين عن ملاحظة أثر العامل السياسي الذي بدا للوهلة الأولى اقتصادياً، عبر موجات التأميم التي قامت تحت مسميات اشتراكية مشوهة، والتي أدت إلى تدمير الاقتصاد الوطني صناعةً وزراعةً عبر قراءة ساذجة للمفاهيم التنموية، في ستينات القرن الماضي، لتتطور سلباً في صالح مكونات طفيلية تأبطت شرّاً وفساداً بذراع السلطة القائمة منذ سبعيناته. ولكن الاقتصاد السياسي للنظام القائم كان هو المسبب الأول في دفع كثير من السوريين على مختلف طوائفهم من أصحاب المصالح والأعمال للهجرة. وقد انتشرت هذه الظاهرة خصوصاً ضمن مجموعات من لم يستسغ التعاون، أو بالأحرى الخضوع، للمفاهيم السوقية الجديدة.

وبالتالي، فما كان يشكّل ضغطاً اقتصادياً بداية، تطوّر ليصبح سياسياً واجتماعياً. وتكاثر الشعور لدى المنتمين للدين المسيحي بأنهم أصبحوا “مواطنين” من الدرجة الثانية. وعلى الرغم من أن كل السوريين، إلا أصحاب الحظوة الأمنية أو الحزبية أو الزبائنية، كانوا يشعرون بأنهم في مرتبات متدنية من المواطنة، إلا أن هذا الشعور ازداد لدى اتباع الدين المسيحي بطوائفه كافة، خصوصاً إن هم اختاروا عدم التزلف والانخراط تحت عباءة “الحامي”. وساهم الاستخدام السياسي للعامل الديني ومحاباة الفكر الظلامي في السعي إلى السيطرة على الشارع الإسلامي، بعد أحداث الثمانينات في زيادة عامل الخوف لديهم.

انخفض العدد في ظل حكم السلطة “حامية الأقليات” من 15 بالمئة سنة 1970 إلى 4.6 بالمئة سنة 2008. وكانت الدولة تصرّ على تضخيم النسبة الى حوالي 10 بالمئة والكنيسة إلى حوالي 7 بالمئة. أما الدولة، فأٍسبابها واضحة في تقديم صورة وردية ترويجية تفيد في “العلاقات العامة”. وأما الكنيسة، فكما ذكر لي أحد أهم رجالاتها عندما أعددت دراسة حول الظاهرة، فهي لا تحبّذ ذكر الرقم الحقيقي حتى لا تنشر الرعب في الرعية وتدفع بمن قاوم واستمر منهم إلى الهجرة بدوره. كما أن المهاجرين يسافرون عموماً دون إخطار رسمي، مما لا يجعل السجلات قادرة على متابعة الواقع.

استغلال مسألة الأقليات في العلاقات العامة هي الأداة الأنجح التي سوّقتها الأنظمة التسلطية دائماً. وقد تم أخذ هذه الأقليات كرهينة لمصالح السياسات الحاكمة. وإن هي عارضت في جزئها أو في كلّها، فالعقاب سيكون مزدوجاً وأكثر حدّة من ذاك العقاب الحاد المسخّر لعموم الشعب. ونجحت سياسة “فرّق تسد” في إصباغ “شرعية” دولية للأمنوقراطية.

اليوم، يُبارك البطرك الروسي طائرات القتل وصواريخها معتبراً بأن “الحرب الروسية في سوريا مقدّسة”. وكذا يفعل مطران حلب للكاثوليك معتبراً بأن “بوتين يخدم قضية المسيحيين في سوريا”.

لا يعرف هؤلاء، أو هم يعرفون، بأن في قولهم هذا أكبر إساءة لمن بقي من رعيتهم في هذه البلاد وفي جوارها. هم يقترفون جريمة إنسانية بحق رعيتهم ويضعونها في حالة عداء “دينية” أمام غالبية الشعب السوري. هم يوصمون مجمل الرعية بالعداء لمجمل الشعب، وفي ذلك يتبعون تعليمات أسيادهم السياسيين مبتعدين عن أية قيم روحية أو أخلاقية. وفي تبريرهم لآلات القتل الروسية، فهم لا يختلفون في هذا مطلقاً عن المعممين الداعين إلى العنف بحق من خالفهم الرأي من مختلف الطوائف والأديان، والذين يبررون لآلات التدمير والقتل والتعذيب الداعشية.

بعض رجال الدين من كل الطوائف والأديان يحاربون مصالح أبناء طوائفهم وأديانهم من خلال إقحامها في تبرير سياسات محلية أو إقليمية أو دولية تدميرية وعدائية. هم لا يختلفون البتة عن رجال المافيا والسلطات المستبدة التي تأمر بموت وبتعذيب الأبرياء. صولجاناتهم أو عمائمهم لا يمكن لها أن تحميهم من المساءلة الأخلاقية على الأقل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *