طبيعةالدين ومكانه الطبيعي

نبيهة  حنا :

المسألة هي الاصلاح  ثم جعل الحياة صالحة للعيش  , حياتنا ليست  صالحة للعيش  ولم تكن  صالحة  , وحياتنا تخضع  للعديد من المؤثرات  , بعضها يخضع لارادتنا وبعضها  لايخضع  لهذه الارادة  كالمؤثرات الخارجية  ,  الدين والتراث هم من  أهم المؤثرات الداخلية   , لذا كانت هناك  محاولات لاصلاح الدين   وممارسة القطيعة مع التراث  الى جانب محاولات لاصلاح الدين بطريقة معاكسة   أي خلق  الانسان  “الأعلى” دينيا ثم محاولات  لاعادةالحياة الى مامات من التراث  ,  نتائج هذه  الجهود  لم تكن  كما  تمنى  البعض …لانزال نسير  الى الوراء !

نتائج محاولات الاصلاح الديني متواضعة جدا  , ولهذا التواضع  أسباب عديدة  منها   التباس   أهداف هذا الاصلاح  التي تضمنت بالشكل  اصلاح “الدين”  ثم  اعادة تأويله  لكي  يتلاءم مع متطلبات الحياة الاجتماعية , مما فسر من  رجال الدين على  أنه  مساس بالمقدس ,

لم يكن الأمر محاولة للمساس  بالمقدس  بقدر   ماهو محاولة للبرهنة  على  أن  الدين  لم يعد صالحا  لرعاية    الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية  السياسية  المعقدة,وفقدان الصلاحية ليس بالجديد ..عمره هو عمر الدين   أو الأديان ,  الجهود لم تكن موجهة الى تغيير  طبيعة الدين أصلا   ,وانما الى اعادة الدين الى وضعه الطبيعي  أي الى طبيعته الفردية بوصفه  تجربة خاصة , وتعريف لعلاقة  خاصة بين الفرد والغيب …الدين للكل  أفرادا  وليس للأفراد مجتمعا  ,فالحياة الاجتماعية   هي سياسية  بادارتها , وادارتها  تلزم الجميع  بواجباتهم  وتعطي الجميع حقوقهم , وليس من حق المجتمع , الذي هو ممثل للشأن العام   أن يتدخل بالدين  الذي هو  شأن خاص  , الدين هو مزيج من  الحق والواجب الشخصي الذي يحدده الشخص  ,بينما المجتمع هو  الجسد الأكبر في الدولة  وهو الذي   يحدد حقوق وواجبات   الشخص  كفرد اجتماعي .

هدف كل الجهود في القرن التاسع عشر والعشيرن كان   أصلا  اعادة الدين  الى طبيعته الفردية الشخصية  وليس  الى صياغة دين جديد  , البعض  أوالأكثرية  تمادت في  استهلاكها  لطاقاتها  في مجال  اصلاح  عبثي لطبيعة الدين  , بينما كان الهدف وضع الدين  بدون محاولة اصلاحه  في  المكان الطبيعي له , وهو المجال الشخصي  ,وهذا مايمكن التعبير عنه بفصل الدين  الشخصي  عن  دولة المجتمع .

مقاومة  القوى الدينية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين  لمحاولات  تغيير  طبيعة  الدين ومحاولات وضع الدين في مكانه الطبيعي الشخصي ,  ثم فهم المحاولة الأخيرة  بأنها  تهدف الى محاربة الدين  قاد الى نتائج كارثية  على مستوى الشعوب والدول التي تواجدت في  طور النشوء, من  هذه النتائج   ازدياد تشنج من بقي  على البقعة الدينية  تعصبا   وأنانية , مما قاد الى  تطور  الارهاب  الى شكل القتل العبثي  والى القضاء على مشروع الدولة.

يبدو وكأن كم  الفشل  الحالي غير كاف لاقناع البعض   بضرورة  اخراج الدين من الحياة الاجتماعية  المدنية ووضعه في مكانه الطبيعي  الشخصي , أي بفصل  الدين  عن الدولة ,لايعلمنا التاريخ  بهذا الخصوص  الا درسا واحدا  وهو   أنه لامناص  من فصلل الدين عن الدولة حتى ولوتأخر ذلك قرون, وذلك  لمصلحة  الدين  والدولة ,ومن لايدرك   ذلك  سوف   لن  يعايش   الا  انحسار  الدين   المتزايد  الى  حد  التلاشي ,   تاريخ  الأمم  الأخرى   يؤكد  ذلك  ولا  يدع  مجالا  للشك  بذلك  !

لافائدة من  التخندق  ولا فائدة من العنف   أو الارهاب , لقد تخندق  الاسلاميون  والمؤسسات الدينية لعشرات السنين دون  أن يتفاعلوا  مع  الواقع  المتجدد , ودون   أن يبتكروا  نموزجا حضاريا  معاصرا  , وحتى دون   أن يتقبلوا  وضع الدين في مكانه الطبيعي   ,الذي  يصون ويحمي الدين من ناحية  ,ومن ناحية  أخرى يصون ويحمي المجتمع!

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *