برنامج المسلخ السوري ليوم ٢-٢-١٩٨٢
سمير صادق :
تمثل الحالة السورية وضعًا سلطويا يمكن وصفه بارعاب وارهاب الدولة, فعمليات النظام القمعي كانت لها دلالات واضحة , إرهاب الدولة للمجتمع بشكل عام كان علامة من علامات نفي الدولة لا علامة وجود الدولة , لم يتح للشعب السوري المشاركة في بناء السلطة ومؤسسات الجيش والحكومة ,لقد عاش في الواقع تحت هيمنة كيان باسم مستعار, كيان له عسكر ومرتزقة ومنافقين وزبانية ومطبلين, وهذه كانت أصلا مكونات السلطة الطاغية حسب حنه آرند,فجوهر السلطة الطاغية ومكونها الأساسي هو الارعاب عن طريق الارهاب , الرعب كفيل بجعل العلاقة بين الشعب وما تسمى الدولة محكومةً بالحذر والخوف الدائمين,تتصحر الممارسة السياسية على هذه الأرضية في سلطة الرعب , وهذا يعني سلطة ماقبل الدولة في كيان ماقبل الدولة .
تشير نماذج العنف التي مارسها النظام الى تجاوزات خطيرة على المستوى الداخلي والخارجي , هنا استذكر شبيها لمنظومة ماقبل الدولة , هناك شبه كبير بالبنية التي اشتهرت بها فرقة الحشاشين الإسماعيلية التابعة (لشيخ الجبل), خاصة بأساليبها في إرهاب الخصوم,ففي الحالة السورية ,لدينا الكتائب , التي كانت سرايا الدفاع وتحولت الى الفرقة الرابعة , ذات اللون الطائفي الواحد, والتي لاتخضع الى المساءلة عن جرائمها التي نفذتها لمصلحة (المعلم) , هذه الكتائب وغيرها من الفرق بأسماء مختلفة خضعت للسيد القائد الأعلى فقط ,بولاء أعمى وطاعة مطلقة في مجتمع ابوي عشائري قبائلي,
لا يقتصر استخدام العنف القمعي على الداخل , فالخارج كان مهددا أيضا , رعب الداخل تمدد في العديد من المناسبات الى الخارج , هاهو الارهاب يقتل الحريري ومرافقيه, الارهاب السلطوي المتمدد الى الخارج حاول اغتيال رئيس وزراء الأردن السابق مضر بدران, انتقاما للمعلم أو كما قالت صحيفة سورية آنذاك : “إنه أمر مشروع لإعادة الأردن إلى طليعة الأمة العربية “, فالرؤية البعثية التي وصفت العرب بأنهم شعب واحد في دول متعددة , تحولت في الماضي الى مركزا لادارة شؤون الوطنية في البلاد العربية …وزعت شهادات حسن السلوك والرضى وخونت باسم جماهير شعبنا العربي العظيم مستندة بذلك إلى شرعية عصابية جعلها بنظر نفسها رمزاً يتيح لها تنظيم القواعد والأحكام وتصنيف الأبطال والخونة ,ثم تعريف الصالح والضار , البعث الذي اعتبر نفسه وصيا شرعيا على العروبة , انتهى منتحرا , بعد أن ابدع في ممارسة النحر ومسالخ الذبح والقتل كمسلخ حماه من عام ١٩٨٢
تفكيك البنية السلطويّة التي أقامتها الأسدية في سورية ,يكشف العديد من معالم هذه السلطة ,مثلا استثمار الآلة العسكرية بكل الأشكال التي تعرفها الوحشية , الأسدية تحتكر هذه الآلة والشعب يمولها قسرا , استخدام الآلة الممولة من قبل الشعب كان حصرا بالحرب على الشعب , وفق نمازج العصابة أي الحرب الغير متناظرة, لم يتم تدمير جزء من حماه فقط , لقد دمرت العصابة الآن كل سوريا , والتدمير بدأ قبل حماه , مجمل البلاد خضع الى سياسية الأرض المحروقة , وما لم يتم حرقه , تم تدميره بوسائل أخرى مثل استعمال التناقضات لخلق قوى متوازية, تستخدم في وجه من يتهمها بأنها أقلية تتحكم بالأكثرية .
النظر بشيئ من العمق الى الأسدية يجد بأنها استخدمت العصبية “العلوية” المقرونة مع الترويج للدولة الحديثة …فدولة الأسد هي مركز الاشعاع العلماني في الشرق الأوسط , اضافة الى ذلك حاولت الأسدية تفكيك الأكثرية , ونجحت في ذلك تحت شعار العروبة والاسلام , ثم توطيد العلاقة مع التجار السنة والسماح لهم بالتهام قسم من الكعكة, وبذلك انكسرت مقاومة المدن , لقد تم تتويج كل ذلك بالعامل الديموغرافي , حيث ترك المزارعون عملهم في الحقول وتحولوا الى موظفين في المدن “كتنفيعة”,مع كل ماتتضمنه الوظيفة من دخل اضافي عن طريق الفساد , الذي ترتكز ممارسة أشكاله الوقحة والغير مبالية على ما تسمى “حماية الظهر”, من له “ظهر” يسرق كما يريد لأنه فوق القانون .
أخجل من التذكير بحدث مسلخي واحد , ففي سوريا لم تعد الذاكرة قادرة على احتواء ذلك العدد من المجازر الذي تزايد في السنين الأخيرة بشكل استعصى على الفهم وحتى على التصور , لاوجود ليوم في السنة لايمكن به التذكير بمجزرة , المجزرة الأصغر لاتختلف عن المجزرة الأكبر بالنسبة للضحية , وموت الانسان في المجزرة الأكبر ليس أفظع من موته في المجزرة الأصغر .
Post Views: 460