حتمية التطهير العرقي المذهبي في دولة المذاهب

نبيهة  حنا :

لكي نفهم بعض  جوانب  اشكالية التطهير العرقي  المذهبي في سوريا , لابد من التعرف على التشكيلة السكانية في البلاد, التي  تحول  أكثر  من نصف سكانها الى  لاجئين   خارجيا ومشردين داخليا ,  لابد في البدء من التأكيد على أن الأزمة  السورية , التي لامثيل لها في التاريخ , لم  تبدأ عام  ٢٠١١ وانما  تمتد جذورها الى بداية نصف القرن الاخير  وحتى  الى   صدر  الاسلام  .

حول عدد السكان   ونوعيتهم  هناك  علامات استفهام كثيرة  ,   اذ لاتوجد  احصائيات رسمية موثقة  حول البنية السكانية السورية  , لم تقم السلطة الحاكمة منذ نصف قرن  بأي  احصاء  لأسباب  يعرفها الجميع (السلطة لاتريد الاعتراف بأن  حوالي ١١٪ من السكان يهيمنون على  ماتبقى  من السوريين ),  يمكن القول على أن عدد السوريين الذين يعيشون في سوريا الآن   يقارب  ال ١٦ مليون سوري ,  وعند اضافة  عدد السوريين المتواجدين في الخارج (لاجئين) الى هذا العد  يقترب  عدد السكلان اجماليا من ٢٢,٥ مليون  , وهو العدد الذي قدرته الأمم المتحدة  بفارق بسيط  سببه  رفض بعض اللاجئين  التسجيل  خوفا من  القاء القبض عليهم واعادتهم الى سوريا  , التي  لايريد  أي لاجئ الآن  العودة اليها ,  عدد اللاجئين الفعلي  يزيد بحوالي ٢٠٪   عن عدد المسجلين ,  الواقع يقول على أن عدد من يتواجد لاجئا خارج سوريا يعادل تقريبا ٥,٣ مليون سوري , وهذا العدد في ازدياد مستمر  خاصة بعدأن  انخرطت  روسيا  في  ممارسة   سياسة الأرض المحروقة التي  يمارسها النظام الأسدي ,   لقد ترك حوالي  ربع الى نصف مليون سوري ديارهم بعد بدء النشاط العسكري  الروسي  ,والعدد  ازداد  بسرعة   بعد   أن  سهلت   ألمانيا   قدوم     اللاجئين .

من الصعب  اعطاء أرقام  دقيقة حول عدد المشردين داخليا , تقديرا يمكن التحدث عن ٦,٥ مليون سوري    فروا  الى مناطق أكثر أمنا , منهم حوالي مليوني سوري فروا من  من مناطق  سيطرت عليها  الفصائل   المسلحة   الى مناطق  يسيطر عليها النظام  , وهناك عدد  مشابه تقريبا   للسوريين الذي   هربوا من مناطق النظام الى مناطق أخرى , خسرت المناطق التي  تسيطر عليها مجموعات   مسلحة  العدد الأكبر من سكانها,  بسبب  انعدام  أسس الحياة خاصة الأمني منها  , الطيران  الروسي والسوري  حولوا تلك المناطق الى  أماكن من الصعب  الاستمرار  في الحياة بها ,المفاجأة   كانت في  المناطق التي سيطر  عليها تنظيم  داعش, هذه  المناطق  كانت  أكثر  استقرارابسبب  وجود سلطة مركزية   صارمة , صحيح   على أن   اقليات هذه المناطق هربت أو قتلت  كالمسيحيين  أو المسلمين  المعتدلين  وغيرهم   من أكراد أو يزيديين ..الخ ,  الا أن هذه المناطق استقبلت عددا كبيرا من الجهاديين  بحيث يمكن القول على أن العدد الاجمالي  لسكان هذه المناطق لم يتغيير بشدة, المناطق الكردية تمثل  استثناء  في موضوع  النزوح , فهذه المناطق استقبلت   بشكل رئيسي  أكراد مشردين  , ذلك لأن  الحزب المسيطر  في هذه المناطق  أراد  أن  تتصف مناطقه  ببعض التجانس  تحسبا  لمستقبل  يتصف  بانفصال  هذه  المناطق  عن  الجسد السياسي السوري .

قيل  في  الماضي  على أن  جيش الأسد يسيطر على  حوالي ١٧٪ من  مساحة اليلاد , بينما   سيطرت   الفصائل  وعلى  رأسها  داعش   على  أكثر  من  نصف  مساحة  البلاد ,  هذه الأرقام  لم  تراع     كون  البلاد تتألف  بنسبة ٤٧٪ من  صحراء أو مايشبه الصحراء , جيش الأسد  سيطر  على  المناطق  الأكثر كثافة بما يخص السكان , حوالي ١٠ مليون سوري  عاشوا  في هذه المناطق , بينم   اعاش  في المناطق التي سيطرت  عليهاالفصائل  حوالي  ستة ملايين, موزعة بالتساوي تقريبا بين  الأكراد وداعش وبقية  الفصائل  (كل منهم مليوني سوري)  ,

التركيبة السكانية السورية لم تتغير كثيرا  بعد الأحداث  فبقي  في التركيبة ٢٢٪ أقليات دينية  و١٦٪ أكراد  ثم  ٦١٪  سنة كما كان الحال  قبل الحرب , هذه النسب معرضة   للتغير  المفاجئ   خاصة  في  الشمال  السوري  , مهما  كانت  الجهة  التي    تسيطر  على  الشمال ,  سيكون  هناك  نزوح  ولجوء .

النظام يعرف  أن قاعدته  علوية  بامتياز  ,وقد بدأت هذه القاعدة بالانحسار بعد  مقتل   مئات  الألوف  من  أفراد  الطائفة  العلوية  في  الحرب  ,  تجنيد مقاتلين علويين  جدد  أصبح  أصعب بكثير ,  لذا  تطلب  ترميم  الخلل  في صفوف قاعدته  استجلاب  مواطنين  جدد ,  فالوطن  لمن  يدافع  عنه  !!!  , وحتى   اقامة  دولة  علوية   ليس  بالأمر  السهل  ديموغرافيا ,حسب  مايعرف عن  المناطق الواقعة تحت سيطرته  والتي يريد   لها أن تكون تحت سيطرته (مناطق نافعة) , ستكون نسبة  الأقليات  , التي  يعتبرها الأسد  مضمونة الى جانبه حوالي  ٤١٪ من مجموع السكان , وذلك بدلا من  ٢٢٪ كما  الحال في مجمل سوريا , النظام يظن خاطئا على أن  المسيحي الى جانبه والدرزي أيضا  وحتى الكردي  , ويريد من   العلويون تزعم  الأقليات,  وماذا  عن  حماية  الأقليات عند   تحول  العلويين  الى  أكثرية  في  الدولة العلوية ؟؟؟,

الصراع في سوريا  سياسي  والحرب  طائفية , ولا غرابة في  ذلك نظرا  لتماهي   الطائفية  مع  السياسية  ,التطهير العرقي المذهبي هو جزء لايتجزأ من الحرب الطائفية ,  الجميع يمارسون  التطهير المذهبي العرقي  , الا ان النظام الأسدي يتقدم الجميع في  سعيه الحثيث  ليطهر عرقيا  , ذلك لأن حاجته الى التطهير العرقي  أكبر بكثير من حاجة الأغلبية السنية ,وما يخص المستقبل يمكن القول على أن ترتيبة  الطوائف   ستتغير   على   أي  حال  مستقبلا , ستكون هنك ترتيبة جديدة  , قد يكون لها شكل  “الطائف ” اللبناني  أو” دايتون”  البوسني .

من  يلقي  نظرة  عابرة   على   الخارج والداخل , يتفاجأ  بالحقيقة المرة التي تقول , على أن  أقل الناس اهتماما بوحدة سوريا هم السوريين  , ولولا الخارج  المتهم  بالتآمر  لانفرطت سوريا  أكثر من انفراطها الحالي , الأحداث علمتني أيضا  أن أحترم سايكس بيكو ,فما  وضعه  سايكس  بيكو   بشكل   وحدة  أو  دولة  واحدة   لايتناسب  مع  مقدرة  السوريين على  صيانة وحدة  هذه  الدولة  وتطويرها  الى  الأفضل , ..يتباكى  السوريون  على وحدة الأرض والمجتمع  السوري المقسم  والمهدد  بتقسيم  أعمق  , الا أنهم يعملون بكل جهدهم  على ترسيخ  التقسيم   وتعميقه…..كالعادة تكاذب   وتباكي  مزيف !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *