مع النص والطاعة ..اما قاتل أو مقتول !

December 5, 2018
By

سمير  صادق :

لايتطلب  الاعتراف  بأننا   نموت  تدريجيا  في  مستنقع  الأزمة والمحنة والتأخر    ذكاءا  خارقا ؟… الا  أن  بعض  الذكاء  ضروري  للتعرف  على  العلاج  , الذي  يختلف  من  شخص  لآخر,  كل  له  علاجه  الخاص  وللمقال     ايضا  طرق  علاجه ,  التي    قد    تتقاطع  أو  تتعارض  مع  طرق   العلاج  عند  الآخر .

أقولها  فورا  وبدون  مقدمات بأن  العلاج     يتطلب  مراجعة نقدية   لتجاربنا  التاريخية    مهما  كانت ,  لابد   من   عملية  غربلة  تاريخية   تهدف  الى   تبني  الثمين  وتجنب  الرث  السيئ , وليس  من  الممكن   اعلان  هذا  اليوم   أو  غيره  من  الأيام  كبداية  للتاريخ ,  أي    القطيعة  التامة  مع  الماضي  كما  فعلت  الخلافة  الاسلامية  قبل  ١٤٠٠ ,   حيث   بدأ تاريخنا  باحتلال  بلادنا ,  وتم   وضع  غطاءا  سميكا  على   حضارة  الحرف   والحب  والقلم , واستبدالها   بحضارة  السيف  والكره  والانتقام  ثم  الاقصاء   واقامة  مجتمع  الطبقات ,    بعد  أي  تحليل     وتفكيك    وتشريح ,  لايمكن  للخلاص  أن  يكون   الا  بالتغيير  والتجديد  , ولا  يمكن  للتغيير والتجديد  أن  يتم   بالفرمانات  وانما   بصناعة   التجارب  والخبرات   ,

التغيير   لايتم  الا   بوجود  من   يتمكن  من  ممارسته  , ولا  يتمكن   من  ممارسة  التغيير   الا  الانسان   الحر , فالتغيير  يبدأ  بالحرية   , والحرية  تعني    أول  ماتعني  الانعتاق  من  الارتهان  لثالوث   الجمود  والمقدسات  والسلطان ,   السلطان  هو   سلطان  التقليد    ليس  لما  هو  أفضل  وانما   للقديم  الذاتي   المغلف  بغلاف  الدين  الذي  يأمر  باطاعة  السلطان  ,  مهما  كانت  جودة   خبرات  الجار جيدة    يجب  عدم  التلوث  بها , ومهما  كانت   خبراتنا  السابقة  سيئة  يجب   اعادة  انتاجها   للعديد  من  الأسباب  منها  نرجسيتنا   ومنها   تمحورنا  حول    المقدس   ومنها   فقرنا    الذي   يدفع   الى  التعلق   بما  نملك  ,  تجهيلنا  قلل  من   ثروتنا   المصنوعة  ذاتيا  ,  وأعطانا  الدين    لكي  نشعر  بالاكتفاء  الذاتي ,  وفعلا يشعر   معظمنا  بالاكتفاء  الذاتي  عن  طريق  الدين    ,  الذي  ساهم  في   تميز  شخصيتنا  بالخبل  والخلل  والخنوع   ثم  الابتعاد   عن  الفعل  والتحول  الى  مفعول  به   …أي  السلبية   بأبشع   أشكالها  .

بعد    أن  شاهدنا  أفعال   الشعب  الفرنسي   بخصوص  رفض  مايراه    سيئا , وبعد  نجاحه  في  لوي  رقبة  الحكومة   وارضاخ  الحكومة  لمطالب  الشعب ,   يجوز لنا  نوعا  من  المقارنة بين  شعبنا  والشعب  الفرنسي  لتوضح  ظاهرة  الخنوع , فالتاريخ   الخلافي العربي  والعثماني   لايعرف   أكثر  من  السيئات   , وبالرغم  من ذلك لم  تندلع   على    مدى   أجيال  وقرون  في  دنيا  العرب  والمسلمين  ثورة   شعبية واحدة  وازنة   وشاملة  ضد  الجمود  والجور واستبداد  السلاطين ,  لقد  كانت  هناك  انتفاضات   قصيرة  النفس  وفقيرة  المضمون   وأسبابها  شخصية   ,  شخص  يحارب  شخصا    آخر  وكل  منهما   يجر  ورائه   قطيعا  من  المخابيل ,  الذين  يهتمون  بالشخص  وليس    بالوضع  العام  ,  لقد  كان  علينا  أن  نتظر  وننتظر    قيام  ثورة  شعبية   بشعارات وممارسات   مجتمعية   ,   ذلك  بالرغم  من  الحاجة    الحياتية  الماسة    لثورات  شعبية, وبالنهاية  أتت  ممسوخة   هشة   ضعيفة   ومؤهلة للتنكص   الطائفي, وبذلك   تم  القضاء  عليها  خلال  أشهر   واختفت  بلمح  البصر   ,  وحلت  محلها   طائفية جهادية  ماضوية   أصيلة  نجحت مع  شريكها  من الجانب  السلطوي  في   تدمير  البلاد  وتحويلها   بالكامل   الى  عطب من  الأرجح  استعصائه  على  التصليح  والترميم .

لايمكن  القول   بأن  حصاد  الربيع  العربي  كان  معدوما  أو  سلبيا  بتنائجه  ,  الا  أنه  كان  من   المتوقع  والمطلوب  أن  تكون  النتائج  أفضل  بكثير ,   السبب  في  ذلك  يعود   الى  استمرارية   كون  السلطان  أو  الخليفة    مركز  الثقل  والاهتمام  , لذلك  استبقت  الثورة  على  السلطان   الثورة  على  الجمود  والتقليد  , وذلك  انطلاقا  من  اعتبار  السلطان   سببا   للخير والشر ,    اولوية  اسقاط   السلطان   أكدت   هامشية  مسؤولية  الشعوب  وأكدت    اعاقة   الشعوب  في  أن  تكون  مصدرا  للحلول ,  العطب   أصلا  هو  أولا بالشعوب المرتهنة  للجمود  والمقدس والتي  صنعت  السلطان  ومكنته   من  البقاء  ابديا ,وعلى  الثورة  الشعبية  التوجه  الى  الشعب  أولا  وعلى  الشعب   أن يثور  على  نفسه   أولا  وعلى  جموده  وخنوعه  ومقدساته  ,  نجاح  الثورة  على  الذات  أولا  يجعل  من    اختفاء  السلطان   امرا  بديهيا  وتلقائيا  ولا  يحتاج   الى مجابهة   الدبابات والطائرات  وراجمات  الصواريخ  واالبراميل  والكيماوي .

غابت  الحرية  ليس  بدون   بدبل   , والبديل  كان  الطاعة  ,  السلطان  يقرر والرعية تطيع  برغبة   واندفاع  وشغف   ,  ان  أصاب  السلطان بفضل  مواهبه   العديدة   فله   الحمد  والشكر  والتمجيد , وان  أخفق   يقال  على  أنها  ارادة  الله   او  ارادة  المؤامرة  الدنيئة , وللسلطان  تبعا  لذلك    الشكر والحمد  والتمجيد  أيضا  ,  حقيقة  يمكن  القول  بأن  سلطان البلاد  هو   أفضل    من  مثل   شعوب  هذه  البلاد ,  ففي   عقل  وقلب  كل  فرد  من  هذه  الشعوب  يسكن   ابضا  سلطانا     شبيها  بالسلطان  الذي يتسلطن   على  الناس  , بل  هو  نسخة  طبق  الأصل  عنه.

الطاعة   هي  القاعدة , التي  نمارسها  بمهنية  ممتازة  , والحرية  هي  الطارئ  الاستثنائي   الذي   تتعبنا  ممارسته ولانعرف  كيف نمارسه  ,  الطاعة   هي طريقة  الحياة   في  الأسرة وفي  الحارة , انها  الأصالة التي  تتمثل  بأعظم  صورها  في  ممارسة  أعظم  الطاعة    للسلطان   الخارجي  الممثل   للسلطان  الداخلي  ,الطاعة    للنص  الذي  يتبادل  التخديم  مع  السلطان , تجذر  النص  في  النفوس   حول  الفرد  الى  طاغية  تستبد   بنفسها  وتستعمر  نفسها ,  وحول  المستعمرة  الذاتية   بنيت  الحصون   التي  وقفت  في  وجه  التلوث  ,فالتلوث   بالغير  مرفوض   , لأن  التلوث  يعني  امكانية  تسرب  ما قام  به  الشعب   الفرنسي   في  الأيام  الأخيرة  ,   الحداثة  تلوث  بالمكروه   ,  ولاينفرد   السلطان  في  اعتبارها  عدوا  أو رديفا  للعدو  , وانما   أكثرية  المخلوقات  البشرية  في  هذه  البلاد  تعتبرها  رديفا  للعدو  الذي    يريد   تفريقنا  عن حبيبنا  الذي  هو  النص   الذي نستعمر   به   أنفسنا ,  مطلبنا هو  ممارسة  الحق  في  الطاعة بوتيرة  تعادل  وتيرة  الحق  في  الحياة .

الحرية  خلق  وابتكارمتعب   , والطاعة  تسليم  وامتثال مريح   ,  ومنذ  قرون  ونحن  نراوح  في  مستنقع  الركود والتجمد  وممارسة  الطاعة  لله ورسوله   ونتائج   كل  ذلك  سيئة  والسوء  نراه  بالعين  المجردة ,   لابد  من  الحرية  ومن  متاعب   الخلق  والابتكار ,   لا أقصد  الحرية  التي  ينعم  السلطان  علينا  بها  , والتي   يحددها  مزاجه  كما  وكيفا  , انما  القصد  هو   التحرر  من  الذات  المستبد     المستعمر  لنفسه   بأداة   النص  والطاعة  , اداة   تخضع  في  علاقتها  مع  الحرية   الى   أحكام   اما  قاتل  أو  مقتول  , لاحرية  مع  الطاعة  والنص , ولاطاعة   ونص  مع  الحرية.

 

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • مبدأ “الدويخة” والمواطن الدائخ

    تبرهن التطررات في العالم العربي في نصف القرن الأخير  أهمية الدولة الحديثة  من ناحيتين , الناحية الأولى هي  هول كم وكيفية التأخر العربي النسبي والمطلق  تحت رعاية وقيادة عشائر وعائلات […]

  • “بلاد الثورات الأربع” سورية.. لماذا نجحت “المؤامرة”؟

    بعد عامين على حرب الأعصاب والاعتقالات والكلمات الطائفية والرصاص والسيارات المفخخة والإعدام الفردي والجماعي، يمكننا اختصار المشهد في سورية بالتالي: -أنت مع السلطة وروايتها، “إعلاماً، تحليلاً، معارضة وطنية”، أنت عميل […]

  • هروب ..لماذا ؟

    تمكنت صياح هذا اليوم مجموعة من الجنود السوريون وعائلاتهم   من الهروب جماعيا الى تركيا  , عدد العساكر , ومن بينهم ضباط من رتب عالية , كان 85 عسكري , […]

  • تعددت الأسباب ! , والسجن واحد في سوريا الأسد

    تحت  عنوان  استشهد آصف شوكت ..عاش ميشيل  كيلو , كتب الناطق الغير رسمي باسم الطائة العلوية أبي حسن مادحا الأول  وقادحا الثاني , وكأنه أراد الموت للثاني قبل الأول , […]

  • عن ضرورة ثورة جنسية !

    نبيهة حنا: هل هناك من يشك   بوجود حالة الكبت  الجنسي  في  المجتمعات  العربية  الاسلامية ؟ , لا  أظن  , لذا  لاموجب  لاثبات  ذلك  بالقرائن , أنطلق    من   وجود حالة كبت […]