قابلية الاستعمار …بين استدعائه واستعدائه !

December 25, 2018
By

نبيهة  حنا :

دعونا نفترض جدلا غياب المؤامرات وغياب حقد وكراهية البعض للعرب , ودعونا نفترض بأن نوايا الغير جيدة وايجابية , فهل يمكن بالرغنم من ذلك توقع نهضة عربية بناء على المعطيات الداخلية في العالم العربي ؟ , واذا كان الاستعمار هو المرض الخبيث الآتي من الخارج , فماذا عن ماتسمى قابليتنا للاستعمار واستدعائنا له ؟ , وماذا عن كيفية تشكل الحالة الاستعمارية ؟؟ وهل توغل الاستعمار في حياتنا نتيجة لرغبة استعمارية حصرا ؟ أو أن الاستعمار يعود بشكل رئيسي أو جزئي الى قابليتنا للاستعمار ؟؟؟

واذا كان مفهموم القابلية للاستعمار ليس بذلك الوضوح في الماضي , ففي الماضي تم مبدئيا استنكار الاحتلال الأمريكي للعراق , بالرغم من تمنيه من قبل فئات عديدة من الشعب العراقي , حيث عاد العديد من زعمائهم الى العراق على ظهر الدبابات الأمريكية , ثم تطورت الحالة بالشكل الذي تمكن من الحفاظ على حالة الاستنكار , ذهب الأمريكان وبعد ذلك استيقظت داعش , والمفاجأة كانت في توسل العراق لعودة العسكر الأمريكي , وهكذا انقلب استنكار الاستعمار الى استحسان له , وهل يمكن ترجمة “استحسان ” الاستعمار الا بمفهوم القابلية للاستعمار الذي ابتكره الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي , ولنسأل بخصوص سوريا وشغف البعض لوجود مستعمر ينظم الحياة السورية المتهالكة , هل هذا الشغف ليس ترجمة لقابلية سوريا للاستعمار وضرورة الاستعمار لسوريا , حيث تحول الأمر من الفرحة بجلاء الفرنسيين الى الرغبة ببقاء الفرنسيين , والسؤال الأكثر احراجا هو التالي , لو سألنا في الأمم المتحدة عن الدولة التي يمكنها أن تتبرع بممارسة الوصاية على سوريا , أي استعمار سوريا ! , فكم سيكون عدد الدول التي تتبرع طوعا في القيام بهذه المهمة الاستعمارية ؟؟؟ .
اكاد أجزم بأنه سوف لن تكون في العالم دولة واحدة تقبل هذا العرض الاستعماري , وسيتم رفض ذلك حتى من قبل تركيا المفتتنة بعودة الأمبراطورية العثمانية , وبالرغم من شغف العديد من السوريين بعودة الرمزية العثمانية على يد تركيا ,التي ألغت الخلافة طوعا على يد مدمر الخلافة كمال أتاتورك
نحن الآن في حالة استدعاء الاستعمار , التي نراها ونلمسها في بلاد الشام وليبيا واليمن وحتى مصر , واستدعاء الاستعمار لايزال خجولا ولايريد البعض المجاهرة به بل المجاهرة بعكسه اي “استعداء” الاستعمار , وايهما أكثر منطقية بالنسبة للأوضاع العربية ؟ استدعاء الاستعار أو استعدائه !!
هناك شروط لكل حالة من الحالتين , اذ لايمكن استعداء الاستعمار في اطار التخلف الفكري والمنهجي والاداري الذي يعشعش في كل زاوية من زوايا رؤوس النظم العربية , التي لم تدرك خطورة العجز والتهرب من الاستحقاقات الضروري للانسان العربي , ولم تدرك هذه النظم مخاطر الانزلاق في منهجية تجهيل الناس وتطوريهم باتجاه الاتكالية والهمجية , كل ذلك قاد الى الضعف الذي يسمح لهذه الشعوب بأن تكون قابلة للاستعمار , وفي مرحلة حرجة يتم استدعاء الاستعمار , يقال بأن الجيش الروسي أتى الى سوريا بعد طلب سوري رسمي وكذلك الحال بالنسبة للايرانيين ولحزب الله , سوريا وقعت في مطب قابلية الاستعمار , وبالتالي عدم المقدرة على استعدائه وبالنتيجة ضرورة استدعائه .

لايمكن الفصل بين واقعة القابلية للاستعمار وبين التطور العام للشعوب الذي يخضع الى الاعاقة من جهة والى التنشيط من جهة أخرى , يخضع التوازن بين الاعاقة والتنشيط الى أحكام ظروف الحياة ومقوماتها …الى علمية المجتمع كمضاد لغيبيته , الى فكره الوحداني المضاد لتعدديته , الى هدف التطور الورائي المضاد لهدف التطور الأمامي , الى الانتماء للعشائرية المضاد للانتماء الى الدولة , الى الاتكالية المضادة للاستقلالية الذااتية , الى الخرافية المضادة للعقلية …الخ بشكل عام كل مايقود الى التأخر يقود الى القابلية للاستعمار وبالتالي الى صنع حالة الاستعمار .
لايقود الاستمرار على هذه الحالة ومنهجيتها الا الى تفاقمها سوءا , الفرج لايسقط من السماء وانما يصنع على الأرض , نظريا يجب القول بأننا بحاجة الى فكر جديد وثقافة جديدة ونظرة جديدة الى الحياة الى الغاء الكثير من معيقات التحضر والى اكتشاف وابتكار وسائل تحضر فعالة وجديدة , ولكن كيف سيتم ذلك ومن أين لنا بالعقلانية والفكر المبدع والاعتماد على الذات والتكر للقدرية والاتكالية ونحن لانزال نمارس استنماء المؤامرة!.

Tags: , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • الأسدية الصوتية والسوطية

     بقلم فواز ناصر تؤكد زبانية الأسد  على أن الربيع العربي حقق أحلام اسرائيل   بدولة من الفرات الى النيل, وبدون اراقة قطرة دم يهودية …كل ذلك الانتصار الصهيوني كان بفضل […]

  • انسحاب من لم يعارض من المعارضة ..الأسد الى الأبد !!!

    الخبر يقول ..انسحاب المعارض السوري أبي حسن من المعارضة ,وأول مايتبادر الى الذهن  , هو أن الصحفي أبي حسن معارض , ولم يكن أبي حسن يوما ما معارض  لأنه لم […]

  • نعوات سورية حديثة !

    سمير صادق: لتطور حالة الصراع في سوريا الى الشكل الذي نراه الآن اسباب عدة تتعلق بالأسدية وبالاسلاموية بشيئ من التفاوت , لاشك بأن الأسدية ارادتها عنفا من اللحظة الأولى ومن […]

  • معنى أن تفاوض إيران عن بشار الأسد .. ومعنى أن يخرّب بشار مسعاها

    زهير سالم: على خطورة الدلالات السيادية والسياسية أن تقوم إيران جهارا نهارا بالتفاوض عن بشار الأسد حول ما يجري على الأرض السورية الداخلية ، في الزبداني وفي كفريا والفوعة ، […]

  • مواطن ولاية الفقيه مستوطن في لبنان

    نبيهة حنا: تتكرر خطب نصر الله بوتيرة عالية , وهذا اليوم نحن على موعد  مع خطاب  من هذا القبيل  ,   لاقاء الخطاب ينتهز نصر الله   أي مناسبة  , اليوم هو […]