الثوابت القاتلة !

November 17, 2018
By

 سمير صادق:

 
Image result for ‫الثوابت في الاسلام كاريكاتير‬‎هناك الكثير مما يميزنا عن غيرنا , وموضوع “الثوابت ” هو أحد هذه الميزات التي لاتجد تداولا الا في الخطابات السياسية والدينية والاجتماعية الشرقية العربية , فبالرغم من أن قدم خلفية مفهوم الثوابت هو كقدم الاسلام , الا أن استخدام هذه المفردة حديث حداثة الاخوان وحسن البنا , لاوجود لهذه المفردة في التداول السياسي أو الفكري الغربي الا في مجال العلوم   نسبيا   , وانتشار ظاهرة مفهوم الثوابت يوحي بأنه لهذا المفهوم عمقا كبيرا في حضارة الناس “يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء”.
لقد اعتبر حسن البنا وتلاميذه الثوابت والمتغيرات منهجا للاخوان.فالمتغيرات هي الأمور التي يمكن لها أن تتبدل حسب الظروف مع الحفاظ على الثوابت , التي لاتتغير أو تتبدل أو تتطور , فهي صالحة لكل زمان ومكان , الثوابت والمتغيرات هي الضابط لسلوك الناس وتصرفاتهم .
تواجه الدعوة الاخوانية صعوبات في مصالحة الثوابت مع ظروف الحياة, فظروف الحياة متطورة ومتغيرة واقعيا , لذلك فان الثوابت ترفض الواقع وترفض التغير الاجتماعي والسياسي الذي هو أساس وجود البشرية , لذا ولكي تتم المصالحة بين الواقع والثوابت يجب تغيير الواقع لكي ينسجم مع الثوابت , وهذا ماعبر عنه هذيانيا سيد قطب بقوله ان المجتمعات الاسلامية عادت الى الجاهلية ويجب أسلمتها من , فالثوابت هي نظام لمعارضة الواقع , نظام لفرض واقعا اسلاميا منسجما مع الثوابت على هذا الواقع ,وكلما تغير الواقع على ثوابت الاسلام اعادته الى حظيرة الثوابت , بكلمة أخرى لامناص من جملدة الواقع بالثوابت ,وبكلمة أخرى بدأت البشرية بثوابت الاسلام وعليها البقاء متحجرة في هذه الثوابت الى ماشاء الله !.
استعراض عابر لما حدث في اوروبا في القرون الخمسة الأخيرة يظهر المسيرة الأوروبية المتعاكسة مع منظومة الثوابت, فقبل خمسة قرون بدأت أوروبا بالخروج من الدين دون المساس بوجود الدين , ثم أتت الثورة الفرنسية لتفصل الدين عن الدولة وتلغي الامتيازات الكنسية وتؤكد الاعلان عن حقوق الانسان في الضمير والمساواة , ثم الغاء تهمة الكفر وازدراء الأديان , فازدراء الأديان لم يعد تهمة , كما هو حالنا اليوم حيث يعتبر أي نقد لممارسة أو فكرة دينية بمثابة ازدراء للدين .
في الثورة الفرنسية وما تلاها من تطورات وجدت العلمانية تطبيقاتها , التي كانت أساسا للنهضة الأوروبية , والعلمانية كانت الأساس الذي بني عليه الغاء الخلافة الاسلامية وما تلى ذلك من تطورات في الاتجاه العلماني التركي, وبالرغم من أساسية هذه التطورات لم يتمكن الاسلاميون من ادراك وفهم كل ذلك ثم ضرورة كل ذلك , عوضا عن ركوب حافلة التطور امتلكهم الشعور الوسواسي بأن منزلة الدين في خطر محدق والكارثة ستحدث ان لم يحصنوا الدين ضد التلوث , والتحصين يتم بالتشدد في التمسك بالثوابت التي تضمن عدم تلوث الدين بالشوائب اليهودية الغاشمة والماسونية الملحدة والصليبية الحاقدة والعلمانية المارقة …هجمة شرثة يجب مقاومتها بالمزيد من الصلاة والتعبد وطرح مشروع الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان “القرآن هداية عامّة للبشر ورحمة للعالمين، وأنّه جامع لأصول العمران وسنن الاجتماع، وموافق لمصلحة النّاس في كلّ زمان ومكان بانطباق عقائده على العقل، وآدابه على الفطرة، وأحكامه على درء المفاسد وحفظ المصالح”(رشيد رضا) وفي رسالة التعاليم قيل “الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا، فهو دولة ووطن، أو حكومة وأمّة، وهو خلق وقوّة، أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادّة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة ، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء.” هذا كان الجواب على التنوير وهذا كان سبب التعتير !,
فالتنوير حسب كانت هو خروج الإنسان من حالة القصور الّتي هو نفسه مسؤول عنها,قصور، أي عجز عن استخدام [ملكة] الفهم (القدرة على التّفكير) دون وصاية الآخرين، قصور هو نفسه مسؤول عنه بما أنّ سببه لا يعود إلى عيب في ملكة الفهم، بل إلى نقص في اتّخاذ القرار وفي الشّجاعة الّتي تجعله يستعملها دون وصاية الآخرين. تجرأ على التّفكير ولتكن لك الشّجاعة في استخدام ملكة فهمك الخاصّة ..هذا هو التنوير حسب كانت , فمن رحم القصور في العلم ولد الاعجاز في القرآن ,لقد استسلم الواقع للثوابت , وبالتالي استسلمت الحداثة للتأخرية ووصل الحال الى ماوصل اليه , الشعار هو انكار الواقع والتنكر له , وبذلك تحولت الهزائم الى نكسات أو حتى انتصارات والفقر الى زهد والمرض الى قضاء وقدر والتأخر الى مؤامرة والفشل الى نجاح.

Tags: , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • طريق الموت إلى السجن الأحمر

    بقلم:فادي الصالح ثلاثون كم يبعد عن قلب العاصمة دمشق، مرتكزاً عند أكبر هضاب جبال القلمون، ظاهراً منه بناء على شكل نجمة ثلاثية, هو سجن صيدنايا أو ما يعرف بـ “السجن […]

  • السد المهدد !!

    نيسرين عبود:  قالت مصادر  تقنية  بخصوص  سد الغرات  بأن القتال الى  جانب السد  قد يقود الى كارثة   عملاقة  , فالقتال  قاد لحد الآن  الى عطب في  مولد الطاقة  ,مما قاد […]

  • الأسد يدفع ثمن رفضه المس بالهوية والغرب يسأل عن سر وحدة الجيش.

    الأسد يدفع ثمن رفضه المس بالهوية والغرب يسأل عن سر وحدة الجيش. (داود الرمال) كشف تقرير دبلوماسي حجم الضغوط التي تعرضت لها سورية منذ تاريخ تولي رئيسها الحالي بشار الأسد […]

  • معلبات الحريم والذبح الحلال!*

     أحمد  سليمان : ** االشرقيّة التي تربّتْ وأينعت على تربة موسميّة – مكنونة ثمرتها ومغلّفة إلى أوان ربيعها الزهريّ الذي يأتيها فيه الرجل الملآن ليقطفها أخيراً بالحلال.. رجل ترى فيه […]

  • خيار الانتحار

    من يريد حقن الدماء , يجد كل حل سلمي  جيد , وذلك بغض النظر عن بعض التفاصيل , ومن له اهدافا غير معلنة , لايجد  في أي طرح الحل الذي […]