أخيرا وصلت أوروبا بعد جهود شاقة الى الكيانت أو الدول التي تؤمن قدرا كبيرا من التوازن بين حقوق المواطن وواجباته وبالتالي تمكينه من امتلاك الشعور بالوطنية وذلك لتحقق شروط المواطنة ,كل ذلك قاد الى هيمنة دولة القانون والمساواة , هيمنة القانون لاتتطلب وجود القانون على الورق فقط , انما الأهم من ذلك وجود ثقافة القانونية عند سكان اليلاد , جماعات وأفراد يعيشون الى جانب بعضهم البعض لايشكلون مجتمعا متكافل متضامن وقادر على احتضان دولة بالمعنى الحالي للدولة.
لقد تحولت ألدولة هناك من مفهوم الحماية أي حماية امتيازات البعض , الى دولة الرعاية اى رعاية مصالح الجميع بالتساوي وذلك بغض النظر عن قناعاتهم الفردية أو انتمائهم العرقي أو الديني أو الاثني , ولما كانت المساواة تشمل الجميع , لذلك لم تعد هناك ضرورة الى الاقصاء أو الى طغيان فئة على فئة أخرى , وبالتالي لم تعد هناك ضرورة لاستئصال أي مواطن أو أي فئة , ولا حاجة للتصحيحات الديموغرافية والتغيرات الديموغرافية الهادفة الى الوقاية من التـأزم بين فئات الشعب , الشعب الذي يحتاج الى ديموغرافيية معينة للتمكن من العيش المشرك مع الآخرين , هو شعب غير مؤهل للعيش في دولة وانما في كيان ماقبل الدولة …عشائر وقبائل وعائلات وطوائف …. انزلقنا للأسف الى مرحلة ماقبل الدولة , ليس بسبب الحرب الكونية أو المؤامرة , وانما لأننا لا نملك التأهيل للعيش في دولة , اننا شعوب مؤهلة للعيش في ظل العشيرة أو القبيلة أو الطائفة.
استعراض سريع للتطورات التي حدثت في هذه البلاد تؤكد ماذكر , فبعد التحرر من الاحتلال العثماني وتأسيس المملكة السورية , ظهرت بوادر تلمس الطريق الى عقد اجتماعي ينظم حياة الأفراد مع بعضهم البعض ومع الدولة , أكد المؤتمر السوري الوطني المنعقد في النادي العربي في دمشق هذه المبادرات, كانت على درجة عالية من التحضر والوعي خاصة في تعريف الماهية السورية والانتماء السوري , الخطوة المهمة الثانية كانت القرار الاداري الفرنسي عام 1925 والذي تم بموجبه تأسيس الأحزاب والجمعيات .
استمر الأمر بشكل مقبول حتى الجلاء الذي تم مرفوقا بقشرة ديموقراطية , وحتى الانقلابات بدءا من عام 1949 وما بعد ذلك لم تتمكن من ازالة مفعول القشرة الديموقراطية الفرنسية بشل تام , ففترة مابين 1954و 1958 كانت من أفضل الفترات التي تعرفها سوريا , ثم جاءت الوحدة عام 1958 وهذا االعام كان عام الانتحار , حيث توقفت كل الخطوات لتكلملة الجهود القليلة الستابقة بخصوص عقد اجتماعي وذلك لمصلحة قيادة فردية, فقدت سوريا بالغاء الأحزاب وحرية العمل السياسي الحرية وأسط أشكال الديموقراطية , وطغى هاجس أو عصاب الأمن الذي كانت مهمته ضبط الجمهور ومحاربة المختلف وتكريس الامتيازات لمن يملك السلطة, عام 1958 كان عام النكبة التي تأثرت سوريا بها حتى اليوم .
الحالة السورية تطورت من السيئ الى الأسوء , حتى عام 2011 , حيث بدأ الانهيار الشاقولي ,الذي لم يتوقف لحد الآن بالرغم من توقف وجود الدولة ,وكأن الانهيار يريد محق وجود سوريا من التاريخ والذاكرة , الانهيار لم يكن بفعل زلزال خارج عن ارادتنا , وانما بفعل زلزال في ارادتنا , اننا على مايبدو لانستحق دولة وانما عشيرة , وهكذا وصلنا الى الوضع المناسب لوعينا وادراكنا , انه وعي وادراك اغلبية من العمامات واللحى ومن شعب مدارس تحفيظ القرآن ثم خريجي كليات الشريعة الى جانب شعب العسكر والجنرالات المولفة من الفاشلين في المدرسة .حثالة المدارس الغير صالحة لأي دراسة جامعية .
هناك أقلية من شعب السوريين , هذه الفئة مغتربة وغريبة عن شعب الجنرالات والمشايخ ومغلوب على أمرها في البلاد التي ولدت بها , هؤلاء مواطنين جيدين في أوطانهم الجديدة , لم يقصر عمر أي منهم لطول لسانه , بينما سبب طول اللسان لبعضهم في الوطن قصر العمر في مواخير التنخر والموت البطيئ .
تاريخ القرن الأخير هو تاريخ العبث بالمواطنة وبالتالي الوطنية السورية , انه تاريخ تنكص سوريا حضاريا وتنظيميا واداريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعياا والمسؤول عن ذلك هي فئة الهوايش من الجنرالات والمشايخ , الذين حولوا سوريا على شاكلتهم , شاكلة العشيرة وما قبل الدولة , بالرغم من ذلك هناك امكاانية للنهوض الى حالة الدولة , الا أنه لانهوض مع المشايخ والجنرالات , هل هناك غيرهم ومغاير عنهم
