المباح بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي !

October 18, 2018
By

ربا  منصور:

 بغض النظر  عن تأكيد  الفكر الديني لقيم المساواة  والدفاع عن الحريات   ومناهضة  الاستبداد , يتضمن هذا التفكير  العديد من المعالم التي تبطل  هذه الادعاءات , ومن هذه المعالم  امتلاك الحقيقة المطلقة التي  لاتستقيم مع  أي حوار  أو نقاش ,  امتلاك الحقيقة المطلقة  هو  من  أخطر  وأشرس   أنواع الاستبداد  لأنه يقرن  مخالفة   أومجانبة المطلق  بعقوبات عملاقة   ..كنار جهنم  , ولأنه  أيضا  يقترن  يفترض الطاعة المطلقة  والانصياع التام  المطلق  تحت طائلة العقاب   , يبقى  الاستبداد السياسي    أكثر نسبية  والتعامل معه   أكثر مرونة  وأقل قطعية .

يختلف الاستبداد السياسي عن الاستبداد الديني  بحجم  فضاء  المباح  والمسموح والممنوع ,  فالفكر الديني   يضيق  على الانسان فضاء مسموحاته  ولا يترك للعقل   أي فسحة للعمل  والفكر الديني يعمل  بمنظومة الحرام والحلال   أي بالأبيض والأسود  , لاتوجد منطقة رمادية  , وفي الاستبداد  الديني  يواجه   الانسان  ديكتاتورية  بالعديد من الرؤوس  , كل  رجل دين  هو ديكتاتورية  قلئمة بحد  ذاتها , تستمد هذه الديكتاتورية مبادئها من الغيب  , في حين يمكن للديكتاتورية السياسية   أن تكون  علمية  , أما  الديكتاتورية  الدينية  والاستبداد الديني   فهو مضاد للعلم  , فالعلم  المادي  كفر وزندقة  , ودائما  يلوح الاستبداد الديني  بالعقوبات التي   تتموضع في   اطار التصفية الجسدية , بينما   يكتفي  الاستبداد السياسي  بعقوبات قد  تكون  خفيفة  ,   اقامة الحد   وبتر الرؤوس  هو خاصة  من خواص الاستبداد الديني  التي   لايعرف الاستبداد السياسي في معظم الحالات  شبيها  لها .

لقد بحث عبد الرحمن الكواكبي  العلاقة بين الاستبداد والدين  والعلاقة بين الاستبداد  السياسي   والاستبداد الديني  ووصل الكواكبي الى  حقيقة وجود  علاقة جدلية  بين الاستبداد الديني والاستبداد  السياسي…انهما  صنوان  وهما  اخوان  ويتداخل كل منهما  في بنية الآخر  وكل منهما ضروري للآخر  ,  ولا  يزعزع   أركان  الحلف   بينهما  الا عامل الطمع عندما  يحاول   أحد الأطراف الاستئثار  بالكعكة ويحرم الآخر منها  ,

يتصف  الخطاب الاسلامي  الاستبدادي مقارنة  بالخطاب  الاستبدادي السياسي  بخاصة المخاتلة ….  الاستبداد  السياسي  مخاتل   الا   أن   مخاتلة   الاستبداد  الديني   أعظم , فالاسلاميون  يبحثون   , عن” السلطة ” ومشروعها وليس عن مشروع  دولة , في حين   يبحث  الاستبداد السياسي     أحيانا عن  مشروع دولة ,كما  أن  التخلص من الاستبداد السياسي   أسهل بكثير من التخلص من الاستبداد   الديني  الذي  يجند الله والمقدس في خدمته , الاستبداد الديني مشوه  للبنية السياسية في  المجتمع ,حيث تتحول هذه البنية الى بنية  طائفية مذهبية  , في حين  قد يحافظ الاستبداد  السياسي  على البنية السياسية , وقد تبقى هناك   أحزاب  سياسية  أما  في الاستبداد الديني  فلا  تبقى  الا  الطوائف.

يبحث   الاستبداد  الديني  عن ” السلطة ” ومشروعها  وليس عن  مشروع    أمة   أو  دولة كما  يدعون   ,ومن يتابع  سلوك  ومنهج  اخوان  سوريا  يجد  اختلافا  كبيرا  عن  منهجيتهم  في  العراق  أو  في  مصر   ,  الا  أن  القاسم  المشترك    بين   الجميع هو   السعي  لحيازة  السلطة  بأي  وسيلة  أو   طريقة  كانت ,    وبعد  حيازة  السلطة   فالأمر  مفتوح  على   كل  الاحتملات  الغير  قابلة  للتصور   في  معظم  الحالات , وأول   ما  سيتم  ابتلاعه   هو  منطقة   “المباح “,  تلك   المنطقة  من  السلوك  البشري   الخاضعة  لسلطة  العقل ,  أول   الغيث   سيكون   وضع  هذه  المنطقة   تحت  سيطرة  النقل   ,  النقل  الذي   يقسم  القيم  في  الحياة  بين   حلال  وحرام  الى   أسود  وأبيض  ولا  شيئ  بينهما  .

سلطة   الاخوان  هي  ترجمة  حرفية  للاستبداد  الديني ,  وحتى   لو  تمكن  الاخوان   من  الوصول  الى  السلطة  عن  طريق  الصناديق وتعهدوا  باحترامهم للديموقراطية,  فسرعان  ما  ستعلوا   أصوات  رجال  الدين   معلنة    عن  تحكمهم بكل  شيئ   صغير  أو كبير ,   وذلك  انطلاقا  من  قناعتهم   بأن  الدين  لم  يترك  شيئا  الا  ووضع  له   حكما ,  وبذلك   يتم  الاستيلاء   على  منطقة  المباح  والحاقها   بمنطقة  الحلال  والحرام ,  وهذا  يعني   سيطرت  التشدد  الديني    المطلقة ,  وتحول   البشر  الى  أسرى   لأحكام  رجال  الدين ,وبالتالي  تأسيس   الاستبداد  الديني.

اضافة  الى   الاستبداد  الديني  المتوقع  من  الاخوان   والغاء   منطقة  المباح ,    ينتظر   الشعب   المأسور  من  قبل  رجال   الدين  عواقب  واختلاطات    اضافية,  فالساحة  السياسية  تعج   بالتيارات    والفئات  الاسلامية  المختلفة …هناك  الخطاب  السلفي  ثم  الخطاب   الاسلامي  الحركي   والخطاب  التكفيري   والصوفي    والشيعي  والسني  … الخ  , والشيئ  الذي  يميز   هذه  الفئات  هو  رفضها   للتعاون  مع  بعضها  البعض  وميلها  لتحكيم  السيف   في   حل   الخلافات  بين  بعضها  البعض   ,  وهذا  يعني   تعرض    المجتمع  الذي  فقد  منطقة  المباح  الى  اختلاطات   حروب   لانهاية  لها ,  وبالتالي   تخريب  واتلاف   البقية   الباقية  من  معالم    البلاد  الاجتماعية  والعمرانية ,  كل  يوم  تحت  سلطة  الاخوان  يعني  تأخرا  يعادل  شهرا ,   وكل  اسبوعين   بمثابة  سنة كاملة   ,  والشاطر   في  الجمع   يستطيع    حساب    عقود   أو   قرون    التأخر  فيما  لو  حكم  الاخوان   عشر  سنوات   مثلا  .      

Tags: , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • المجلس الوطني السوري , وحماية المدنيين!

    غسان المفلح : جاء في البيان الختامي لمؤتمر المجلس الوطني السوري الذي عقد في العاصمة التونسية يومي 17و18 من كانون الأول  2011” يطالب المجلس الوطني السوري ومؤسساته، الجامعة العربية والأمم […]

  • هل علينا التحضيرلجنازة الوطن ؟؟؟

    الوضع السوري مكفهر ..الرئيس يريد ان يبقى رئيس  , حتى بدون صلاحيات رئاسية ..اذ ليس من اليسير فهم كل الأمور السورية ..الرئيس يعطي الأوامر بعدم اطلاق النار على أحد ..بالرغم […]

  • ” (القرونوسطيون) الجدد …الجزيرة بعقلية القرون الوسطى!”

    (القرونوسطيون) الجدد …الجزيرة بعقلية القرون الوسطى! جريدة الوطن السورية: 24 نيسان 2011. منذ عرفت محطة (الجزيرة) ثمة شكوك تدور في ذهني حولها وكنت دائما أتمنى لنفسي أن أكون مخطئا وأجد […]

  • هل شرشح المقداد البلاد ؟؟

    من الملاحظ وجود صعوبات لدى رجال السلطة في اجادة   اللغة الديبلوماسية العالمية , لقد مارست روسيا والصين حق الفيتو  ضد القرار  بادانة سورية من قبل مجلس الأمن , ومن […]

  • ثلاثية أركون …المقدس الحقيقة العنف!!

    ربا  منصور: يرتكز بحث العلاقة بين الطائفية والمقدس على أسس من أهمها تلازم الطائفية تاريخيا مع المقدس ,ثم التناسب الطردي بين انتشار وممارسة الطائفية والاعتقاد بالمقدسات , فالطائفية كانت ولا […]