عن جدلية الوحي والواقع ..الفتح بين الواجب والحاجة !

August 28, 2018
By

ربا  منصور:

ما يميز   الفتح  عن  الاحتلال النفعي الاستعماري   هو عامل  الفرض  الديني لاستكمال  تكوين  المسلم    ودينه , يختلف   الفرض   الديني   من  حيث   ممارسته  وهدفه   عن   الاحتلال   النفعي   للاستعمار   التقليدي   النهبي , فالاستعمار   التقليدي لايهتم  بالدرجة  الأولى الا   بالمادة   , بينما يهتم   الفرض   الديني أي  الفتح بالانسان  وعقله وانتماءه   المذهبي ,   هذا  الى  جانب   اهتمامه   أيضا    بالمادة  التي  تصنف  في  مصنف  غنائم  الحرب   المشروعة  والتي    على  الفاتح   أن يتلذذ  بها   حلالا  زلالا ,     التخلص   من   الاستعمار  النفعي    سهل , لأنه  يخضع   الى  نتائج  عملية   الجرد   الاقتصادي ,  بينما  التخلص من  استعمار  الفرض   الديني  أي  الفتح   صعب  جدا ,  فرحيل  الفاتح   الذي  تمكن   قبل  رحيله  من  تغيير    الانسان  وعقله  وانتمائه  وثقافته  ولغته   لايتمكن  من  تغيير   وضع  الانسان  بشكل  انقلابي ,   يستمر   استعمار  الفتح   حتى  بعد  رحيل   الفاتح   بشكل   هيمنة  ثقافية    غيبية    عنصرية اقصائية   رعوية   مغرروة     بمرتبة  خير    أمة   ومشوهة   بمفاهيم  كالولاء والبراء   ثم   الطاعة   والخنوع   والزهد  بالحياة   الدنيا  والطمع    بالجنة  وغير  ذلك من    الترهيب  والترغيب .

يتأرجح  مفهوم  الفتح كحدث  تاريخي   بين   الوحي  من  جهة  , وبين  الواقع  من  جهة   أخرى ,   وحسب   الحاجة  والظروف   يلجأ   الانسان     الى  الوحي  تارة  ,  وتارة   أخرى  الى   الواقع   أو  الى  كلاهما , اللجوء   الى   الوحي   ينفي   الحاجة  الى  مبررات   أضافية ,  فكلام  الله  هو   بحد  ذاته   مبررا  لنفسه ,  ولا  حاجة    للمنطق  البشري   في  كلام  الله,  وكلام  الله   لايخضع   للمعايير  الدنيوية , لأن  كلام  الله    هو   أصلا   المعيار  لكل  شيئ  .

علاقة   الدين  مع   الدولة  كانت  علاقة  اعتمادية   ,  هناك  الدين   ورجاله   والدولة  ورجالها ,  طرف  يعتمد  على  طرف   آخر   من   أجل  ضمان   سيطرة   الطرفان  (اقتسام   السلطة  بين   الدين  والدولة ),  فالخلافة  كانت  دين  ودولة   ,  والخلافة   ألغت  ثنائية   الحكم   ليحل  محلها   احتكارية  الحكم  ووحدانيته    أي   ديكتاتوريته ,  مزج   الدين  مع   الدولة  في   الخلافة   الواحدة   حول   الفتح   ظاهريا   الى  واجب   ,  بدلا  من  تمظهره   عمليا  كحاجة  استعمارية ,     الفتح  كان  قناعا   لنشاط  استعماري    أشد  خبثا  من   النشاط   الاستعماري   التقليدي   الذي  خضع   الى    أحكام   الحاجة    أكثر  من  خضوعه  الى    أحكام  الواجب.

علاقة   الوحي  مع  الواقع   هي  علاقة  تكاملية   وذلك  حسب   الظروف  والحاجة ,  فواقع التهديد   البيزنطي  الفارسي    الافتراضي  للخلافة   كان   له  اثرا  كبيرا  على مشروع  فتح    أو  احتلال  بلاد  الشام   على   الأقل  وقائيا , لقد    اقترن    ذلك  الادراك   الافتراضي   للتهديد  مع   الوحي   الآمر بالفتح  والمبرر  له,   وكل   ذلك تم   دمجه  مع مفهوم   التحضير   البدوي    لحضر  بلاد  الشام ,  تحضير   أتى  بالعصا   السحرية …فكيف  يمكن     لمن  لاحضارة    عنده أن  يهب  مالايملكه ,

بذلك   اكتملت  ديباجة   الفتح   التبريرية,  ديباجة  جمعت  مابين    المفهوم  الوقائي والوحي   الالهي   ثم   مفهوم   التحضير,  بعد  الفتح    جاء  التأسلم   تحت   ضغوط  مختلفة   منها  الجزية  والمواطنة  من  الدرجة  الثانية   المتمثلة   بالعديد  من   المسلكيات    والمظاهر …لباس  خاص   …طورقة,   هدم  كل  كنائس  العراق   على  يد   الخليفة  العباسي   المتوكل  على  الله ,  اقتحام   البدو  للكنائس  لسلبها (ابن  بطريق  والمسعودي  ),  هجرة     من   رفض   الأسلمىة  الى  الجبال   كما  فعل   الموارنة …  مقارنة   بهولاكو   الذي  لم  يتعرض    للفئات   الغير  اسلامية  .

واقع الأمر!!!, إن   اشكالية   تبرير  الفتوحات  الإسلامية    تعود   الى  افتراض    أساسي ,  وهو   قداسة  هذه  الفتوحات  ونبلها  , وذلك  بناء على  نبل  الغاية ,مما   جعل  كل  العواقب  مقبولة  لأنها   مقدسة   لا  يجوز  المساس  بها ,    لقد رأى  البعض  في  التاريخ  دلالة  ثابتة  ومعنى  ثابت  غير  قابل  للتحول   وللتغير , انها  الرؤية  المثالية للفتوحات  كحركة  غيرت  وجه  التاريخ ,  هذا الأمر  كان    في   أحسن  الحالات  “افتراض” نفته    ممارسات  السلب  والنهب  والسبي  والتسلط وتحويل   الانسان   الى مواطن   من  الدرجة   الثانية   وما   فوق !

Tags: , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • مظلومية المواطن الاعتباري !

    سمير صادق:  من  المنطقي السؤال عن الظالمين والمظلومين في هذه البلاد , ومن المنطقي أيضا أن يكون رفع المظلوميات هدفا يبرر العديد من الوسائل , الا أن المطبلين للمظلومية السنية حصرا […]

  • في حب وكره العلويين السوريين

    بقلم:ياسر نديم السعيد تصلح قصة «صعود» العلويين (وقصة «سقوطهم» ربما أيضاً) كحكاية درامية أصيلة للبعض، أو كفيلم ميلودرامي رخيص للبعض الآخر، ولكن الانتقال من الفقر إلى الغنى، أو من الهامشية […]

  • سورية:البعث حزب غير شرعي ولا قانوني

    أعود الآن الى الزميل الصحفي نعيسة والى موقع فينكس , حيث أصبح هذا الرجل من اختصاصي , ولمزيد من التعريف , أريد القول ,ان نضال نعيسة محسوب على السلطة , […]

  • الطفولة السورية التي دمرتها الأسدية

    غسان المفلح: عندما بدء البعث وعسكره اللعب بمصير سورية منذ منتصف الخمسينيات، واجبروا شكري القوتلي على الوحدة مع مصر، ثم استولوا على السلطة بانقلاب عسكري آذار 1963 كانت الدولة السورية […]

  • السنة الثالثة والأخيرة

    ليس  من الصعب معرفة الأسباب التي تؤدي الى اندلاع  ثورة , ولكن من الصعب التعرف على الأوضاع التي تحدد مسيرة الثورة  ونهايتها , ان كانت ايجابية أو سلبية , والثورة […]