وطن البكائيات !

July 12, 2018
By

بهلول  السوري :

  كما هو حال الرقي والتقدم , كذلك حال الانحطاط , كلاهما  لايولد  ويتطور في ساعات أو ايام , وانما يلزمه عشرات السنين , ومن يريد جديا  نفي أو انكار حالة الانحطاط  التي  ارتمت سوريا بها ؟ فسوريا وللأسف أصبحت  حكومة وشعبا  معيارا للانحطاط  ومقياسا له ,  اننا في حقبة سوداء   مظلمة وظالمة , خرجنا من التاريخ ومن عملية صنعه واستبدلنا الفاعلية بالانفعالية , ولو لم تكن هناك حقبة الخمسينات  ,التي تحولت رماديتها  بفعل المقارنة مع الحقبة الحالية الى بياض ناصع , لما كان بالامكان  القول على أن الانحطاط أمر مكتسب  , لقلنا  ان انحطاطنا  ولادي ..اننا هكذا مخلوقات  لاهي انس ولا هي جن , وانما مابين بين!

انحطاطنا حقيقة  مكتسب  , ونحن انس  كغيرنا,  ألا أن القيادة المغتصبة  المزمنة  ليست كغيرها  وفصائل الذبيحة ليسوا  كغيرهم  , وبما انه من الطبيعي أن تكون القيادة مسؤولة  , خاصة تلك القيادة التي بيدها المطلق من الحل والربط , لذا يجب منطقيا القول  على أن السلطة هي التي ساهمت   بشكل  رئيسي  في  ارتمائنا في  قاع الانحطاط  , حيث لاقاع اعمق منه , انه  بمثابة  حظيرة  للحيوانات  .

بعد نصف قرن من التربية الاشتراكية وباشراف   الشخص القائد للمجتمع والدولة , وبعد مئات الألوف من مسيرات الوحدة والحرية والاشتراكية,  وبعدولادة شبيبة الثورة  وشبيبة البعث وشبيبة الأسد وقعت الأزمة ,تبين لنا  على أن  الاخونجية   نمت  وتكاثرت واستيقظت  داعش  والنصرة,  في  حين اندثر  بعث  ١٩٤٨  واندثرت  الأحزاب  المدنية  الأخرى  , تبين لنا  على أن ادعاء العلمانية ليس الا وهم   ولا اثر للاشتراكية   ولا للوحدة  ولا للحرية  , تبين لنا على أن من يحكمنا هو لص قاتل ومحترف لمهنة القتل , تبين لنا  على أن هناك مخلوق  سوري  يقول , اما أنا أو تحترق البلاد , عبارة لم يفصح عنها حتى  نيرون , تبين لنا على أن بلادنا أصبحت  مستنقعا للفساد , ودولتنا  فقدت معالم الدولة , حيث لاقانون  ,البلد  هو الأسد , الذي تطاول في غروره حتى  على لويس الرابع عشر , الذي   ادعى على أنه القانون فقط وليس الدولة , اما  صاحبنا  فهو القانون والدولة , انها سوريا الأسد  ملك لأسد سوريا.

لقد اكتشفنا على  أننا  لم نفعل  شيئا  ايجابيا  للوطن طوال نصف قرن من الزمن  لابل   طوال  قرن  من  الزمن  ,  الخوف كان ممارستنا الوحيدة ,والآن انفجرنا وانفلتنا وكان علينا الانفجار   قبل  اربعين  عاما   أو   أكثر   , مارسنا  الخنوع  وتعلمنا التلفيق والدجل والكذب ,لم نتعلم  من ممارسات  الا ممارسات السلطة ..عنف ..قتل ..سحل ..طائفية ..فساد ..محسوبية وطفولة سياسية , الآن نريد التغيير دفعة واحدة , اما كان من الأفضل  لو بدأنا بمحاولة التغيير قبل أربعين سنة ؟ وهل كان من الصعب اكتشاف طبيعة الأسدية  ودجلها وكذبها وفسادها ؟ الآن ندفع فاتورة تخاذلنا  وفسادنا أيضا  , الأسد لم يقض على البلد  بمفرده  ,نحن من قضى على البلد  ونحن من دمر البلد ونحن من  سيحول الوطن الى ذكريات .

الشيئ الرئيسي  الذي يتداوله الانسان السوري منذ نصف قرن من الزمن ؟ هو  موضوع الخوف ..موضوع الاعتقال ..موضوع الفقر المتزايد  , وموضوع  الثراء المتزايد , وهل يوجد أمين فرع أو  أمين شعبة بعثية الا وأصبح من أصحاب الملاين  وحال    أمراء  داعش   لايختلف  عن  حال  امناء   الحزب  القائد  ,الشعب السوري  يموت بالتدريج , حيث ماتت اخلاقه , وماتت مواطنيته , وماتت   غرائزه  ..وهل يشعر الشعب السوري حقيقة  بالحاجة لاستنشاق هواء الحرية , ولو لم يكن الانسان السوري  ناقص الخواص الانسانية  لما قبل الا الديموقراطية  والمساواة , الأسدية حطمته  ولم تترك منه الا أشباه البشر .

من أهم معالم الانحطاط  وجود  من  يؤيد  البعث  ومن يؤيد  الأسد  ومن  يؤيد   الاسلام  السياسي  وفصائله  المسلحة  , فعندما  يصبح  الفساد في بلد ما  عرف  وعادة وفضيلة ,عندها   ليس  من الصعب معرفة أسباب تأييد هؤلاء للأسد والبعث  وأسباب   انخراط  البعض   في  فصائل   أبو  بكر  , انهم من المستفيدين من الفساد , ولا يستفيد من الفساد الا الفاسد , لذا  يمكن تسمية الأسد والبعث ومؤيديهم   ومعارضيهم  من  الفصائل  “جبهة الفساد والافساد ” , كلهم   يعملون  من  أجل  خير  سوريا   لذلك  دمروها  وأحرقوها ….هذا  هو   الخير  السوري !

مجمل سياق الحياة اليومية في سوريا هو مدعاة لممارسة النحيب والبكائيات , أصلا يجب أن يبدأ النحيب والبكاء كل يوم من الصباح الى المساء , فلا يوجد ولم يوجد في سوريا مايبعث على الفرح والراحة , حياة كلها شقاء وعذاب وامتهان للكرامة وللحرية وسلب للارادة وفقر متزايد ومستقبل كالح السواد , وعن الحاضر وكارثيته فحدث ولا حرج  , لم تترك كتائب الأسد والفصائل الاسلامية للبلاد أي جاذبية عقلانية , حب الوطن أصبح نوعا من القسرالنفسي , واحترام الوطن أصبح نوعا اللاموضوعية , وخيانة الوطن أصبحت واجبا كما نصح محمد الماغوط .., وطننا أصبح جديرا بالخيانة …يا للمهزلة والسخرية !!.

من  يريد    أن يبقى  في  سوريا  حيا  وكريما   عليه  بمحاربة   الموت  والذل   المتجسد   بالأسدية  والأصولية ,  غير  ذلك  عبث  وعدمية  !

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • العار …!

    ممدوح بيطار : تحتل سوريا المرتبة الأولى بدون منازع في العالم في ارتكاب جرائم الشرف وفق المادة 533 من قانون العقوبات السوري وكمثال على ذلك ذبح فتاة عمرها 16 عاما […]

  • نصر الله وحروب الردة!

    جورج بنا انه “السيد” , انه الممانع  والمقاوم  والزعيم  والشيخ العلماني   وذاك  الفذ الذي يحارب اسرائيل في دير الزور  والمتسامح  والذي   يتمنن على مسيحيي لبنان بأنه  لم يهدم كنائسهم  على […]

  • الله وسروال عثمان

    تمركز معظم الديكتاتوريات المزمة في مجتمعات اسلامية , يقود الى الشك , بأن هناك علاقة بين التاريخ الذي صنعه الدين وبين الديكتاتورية .. حيث تعجب عثمان بن عفان قبل حوالي […]

  • سوريا في المعركة: أشياء يمكن الأسد القيام بها

    لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. شعار يسود أوساط مركز القرار السوري. لكن بين هؤلاء من هو أكثر وضوحاً في التفسير: لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص. وهذا الفريق لا […]

  • مآخذ الشبيحة على الثورة !!!

    بقلم:جورج بنا لم ينتج البعث مثقفا واحدا , هكذا قال أدونيس ,واذا  كان حال البعث  شحيح بهذا الشكل  فكيف  ستكون حالة الأسدية ,  البعث  قضى على  كل فكر ومفكر , […]