بين الانتصار والنجاح!, بين العقد الأمني والعقد الاجتماعي !

July 27, 2018
By

سمير صادق :

 تمكنت معظم الدول الصناعية من  تأسيس دولا معظمها  ديموقراطي وتتمتع  بمستوى معيشي مرتفع , دولا  ذات سيادة   وتنعم بالسلم الداخلي والمساواة  بين موطنيها ,دولا لاتعرف حروبا  داخلية ولا تعرف  حالات  من الاقتتال البربري , دولا  لاينزح   سكانها كما نزح السوريون ولا ينتظر سكانها  مساعدات الأمم المتحدة كما ينتظر جياع سوريا .

لم يتمكن السوريون  من صناعةالمجتمع الضروري  لتأسيس   “الدولة” بمفهومها  الجمهوري  ,وما حدث من تطيف  وتشرذم واقتتال وتخريب   أسقط الكيان السوري في مرحلة ماقبل الدولة …. بقينا  شعوبا وعشائر وعائلات  وطوائف,كانت لها فرصة جيدة للتحول الى مجتمع ولبناء دولة بعقد اجتماعي ,بدلا  من  ذلك كان  هناك  العقد  الأمني   الذي  قاد  البلاد  الى حالة  الانحطاط والدمار  .

الدولة الحديثة هي دولة  مجتمع  وليست دولة شعب والأصح القول  على أنه من غير الممكن حديثا تأسيس دولة  دون  أن يرتقي الشعب الى حالة المجتمع,القادر  على التفاعل  والتطور   في  اطار  الدولة ومفهومها   , الذي  تأخر حتى  عن  مفهوم  الأمة ….مفهوم  الدولة  بقي ضامرا   متقزما  ,لم ينخرط العرب  في التاسيس للمجتمع  الذي يهتم  أولا بشروط العيش  أكثر من اهتمامه بشروط هوبرة  الوطنية   والفهلوية …  الفهلوي   أصبح  الشخصية  الوطنية التقليدية الممارسة  للتعاشق  الكسبي  مع  الوطن ,  تعاشق   يخضع  الى   أحكام     المادية  الريعية   ,  وليس كما  هو  مألوف  في  العشق   وخضوعه  لأحكام  الحب  والقلب  .

 سرعان ماتم  استنزاف الرومانتيكيات  الوطنية ,بعد  تحول هذه الرومانتيكيات  الى  دجل ومزايدة وطنية وادعاء فارغ  من قبل فئات  مدعية  استغلت الوطن  وحولته الى بفرة حلوب ..لهم حقوق ومكاسب وامتيازات بدون  واجبات  , لقد أصبح  التطرف في  استخدام وادعاء الوطنيات  نوعا من  التلفيق الفاجر ,  وبدوره  نسي الوطن  ابنائه البررة  وتقبل  تحويله الى بقرة  ,مما قاد الى  خيبة  الأمل والى  انقلاب المفاهيم وتشوهها , والنتيجة  الحتمية كانت  خذلان  الوطن من  قبل  طبقة الدجالين ,وانكفاء  المواطن الحق  عن التفاعل مع الوطن  ايجابيا  !, تحولت  فئة الواجبات  الى فقراء  وجياع ومساكين لايقتدرون  على تغطية  حاجاتهم الأساسية لثلاثة ايام في الشهر  , وتحولت فئة  الدجالين   أو فئة رجال الامتيازات  الى  احتكاريين للاقطاع المادي  .

لم نفهم الفرق بين  الانتصار  والنجاح  ,ظنينا على  أن جرعة من  الانتصارات  العسكرية “عادة” كافية لشموخ  الوطن , نظريا انتصرنا  دائما  على  الأقل في ادراك  كل هزيمة  على  أنها  انتصار,الانتصارات الوهمية   لم تجد مايوازيها من شموخ بشأن الوطن  وشروط حياة المواطن  ..كلما ازدادت الانتصارات الوهمية  ازداد التأخر وازداد التقهقر  الى  أن وصلنا الى  ماوصلنا  اليه ,  لم ننتبه الى حقيقة كون  النصرالوهمي لايقود  الى النجاح الحقيقي في التأسيس  لشروط حياة ترفع من  مستوى المواطن  وبالتالي يرتفع مستوى الوطن تلقائيا ,العدالة الاجتماعية التي تحترم مصلحة الفرد  تحترم مصلحة الوطن ,ومن لايحترم مصلحة الفرد لايحترم مصلحة الوطن .

لتحكم مفهوم النصر بادراكنا   وعقولنا اختلاطات  وعواقب كثيرة ,منها مثلا   ضرورة  اختراع  منظومة  العداء والصداقة , المهم هنا منظومة الأعداء  والعداء  , وكيف سننتصر  ان لم يكن لنا  أعداء ؟ وعلى من سننتصر بدون عدو ؟, وان لم يكن لنا  فعلا عدو  يجب  اختراعه لكي ننتصر عليه توهما , النصر تحول الى  عصاب مقدس جامد طغى على موضوعية تأمين شروط مناسبة للحياة ,وبالتالي  تحولنا  الى شعب  يريد  أن ينتصر دون  أن ينجح, وعلى الشعب المسكون بهوس الانتصار دون النجاح  تم وضع شروط أخلاقية  لتأمين النصر,منها  التضحية بالذات , التي لاتتجاوز في فاعليتها  فاعلية الانتحار المجاني , على الفقيرالجهاد والاستشهاد في  سبيل  الله والوطن  حيث تؤمن  الشهادة نوعا من العدالة الوهمية , فقير الأرض  يرقى باستشهاده  الى السماء حيا يرزق !,  وغني الأرض محتكر  الاقطاع  المادي   يبقى على الأرض حيا يسترزق , كلهم اغتياء  اما على  على الأرض أو  في السماء…هكذا يتم الاستهزاء بعقول الفقراء !!!

توهمنا  بأن الانتصار  على عدو وهمي بفعل  تضحية البعض بحياتهم وبشجاعتهم  وبسالتهم هو الشرط  الأخلاقي  الذي  يعلي من شأن الوطن ويؤمن لهؤلاء البعض  هوية مميزة , دون أن ندرك  على أن الهوية  خاصة اجتماعية وليست فردية ,  اهملنا هنا   الوضع المجتمعي وافتتنا  بالأمر الفردي , توهمنا بأن وجود بعض “الابطال” كاف للنهوض بالمجتمع , وتنكرنا للحقيقة التي تقول  بأن النهوض بالمجتمع  لايتم  الا  اذا تحول المجتمع كله  الى “بطل”, بكلمة  أخرى توهمنا  بأن  الفرد هو الذي يخلق الجماعة …ضالة  أساسية  !!, الجماعة هي التي تخلق الفرد.

كيف يمكن للنهوض أن يكون ؟؟ وماهي الأوليات ؟؟ اسئلة صعبة الاجابة بدقة وصواب ,الاقتصاد مهم جدا , والتنوير مهم جدا ,والعقلانية مهمة جدا , الشفافية مهمة جدا …الخ ,أعتقد بأنه لايمكن البدء بأي شيئ بشكل جدي وفعال الا في جو ديموقراطي أو على الأقل شبه ديموقراطي , شقاء الانسان السوري  من صنعه  ,  الانسان السوري  يقف عائقا  أمام نفسه ,انظرواالى ذلك الانسان  الذي يسمح  للصلاة   أن  تعرقل دورة  العمل  ,والذي  عليه  التقيد  بقوانين السماء وهو على الأرض,انسان مغلوب على أمره ومأسور من قبل ارهاب جهنم  وترغيب الجنة  ,لايريدالمخلوق الحر “مهما كان “متدينا ” تحسين أوضاعه في السماء اذا توفر له تحسينها على الأرض , لاتصدقوا كل مايقال عن الشغف بالسماء , فالشغف بالسماء ليس الا دليلا على وجود جهنم على الأرض!

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • بعض مشاريع النظام ..دول ومملكات جديدة

    تتحدث السلطة عن  احترامها للمعارضة ,بشرط ان تكون هذه  وطنية  , وهل توجد معارضة غير وطنية ؟ومن ينظر الى الديموقراطيات العريقة لايجد معارضة غير وطنية , ولا يجد سلطة غير […]

  • «الأخلاق»: أزمة النظام السوري وضعف المعالجة الثورية

    بقلم:وائل زهو ليس المقصود أن النظام السوري  يعاني أزمة، وإنما هو الأزمة بحد ذاتها. فأزمة النظام السوري يعني أنه المسؤول عن كل ما يحدث في سورية من تجاوزات تتجاوز اي […]

  • ليسوا نملا.. إنهم بشر!

    أفقت صباح أحد الأيام الماضية على بكاء زوجتي. كانت تنظر إلى الـ«آي باد» وتبكي. سألت عن السبب فوضعت الجهاز أمام عيني، فإذا برجل يدفن حيا لأنه يرفض أن يقول: «بشار […]

  • الأسد !, مقاومة وممانعة بالثرثرة !

    في سياق الحملة لتشويه سمعة السيد معاذ الخطيب نشر  موقع الجمل بما حمل لصاحبه الطائفي من الدرجة الأولى نبيل صالح خبراعن لسان معاذ الخطيب  يقول  على أن  النظام الجديد فى […]

  • هل خير أمة في مقدمة الأمم ؟

     ممدوح  بيطار: التأخر  هو  مايميزنا  عن  غيرنا  المتقدم  , واشكالية   “الثوابت “هي   أحد هذه الميزات  التي   لاتجد تداولا مكثفا   الا في الخطابات  السياسية والدينية  والاجتماعية الاسلامية  العربية , بالرغم  من  […]