النهضة المعاقة!

July 28, 2018
By

سمير  صادق:

هل من الممكن أن تصل اوضاعنا في هذه البلاد الىى ذلك البؤس وانعدام الأفق والخراب دون ارتكاب أخطاء قاتلة من قبل المنظومات المسيطرة على القرار ؟ , ومن هي تلك المنظومات التي سيطرت على القرار وبالتالي ارتكبت تلك الأخطاء القاتلة ؟ وهل الادعاء بأن هذه المنظومات تقتصر على منظومة الفكر القومي العربي من جهة ومن جهة أخرى منظومة الاسلام السياسي خاطئ ؟ , وكلاهما ولد بالشكل “العصري” الذي نعرفه بعد الحرب العالمية الأولى .

لاوجود لمنظومة ثالثة الى جانب المنظومة القومية والمنظومة الدينية , لذلك يجب تحميل هاتين المنظومتين المسؤولية عما حدث ويحدث لحد الآن ,الحكم على منهجية سياسية ان كانت قومية أو دينية يخضع الى أحكام النتائج, و التجربة تنتج السيئ والجيد , ولما كان السيئ بنا ومن حولنا ومن تحتنا وفوقنا , لذلك لامناص من التنكر لهذه المنظومات المهترئة والتي ترغمنا الآن على دفع أثمان هائلة لأخطاء ارتكبوها ..سيان ان كان جهلا أو عمدا , كل ذلك لن يغيير من طبيعة الحكم عليهم .

لم يكن حقيقة لهذه المنظومات أي تأثير يذكر على أول الانجازات التي تمخضت عن الحرب العالمية الأولى , بريطانيا هي التي طردت العثمانيين , وهي بالشراكة مع فرنسا من قسم ووحد ورسم الحدود .. من أعطى وأخذ والعرب تحت مظلة الشريف حسين نيام , تأسست على الأقل خمس دول عربية , و حدثت هنا أول محاولات الانتحال والاحتيال من قبل المنظومات المسيطرة على وجدان الناس , اذ اعلن القوميون والاسلاميون احرازهم لاستقلال الدول من الاحتلال العثماني , وبالتالي من حقهم قطف ثمرات نضالهم , الذي لم يكن نضالا بقدر كونه اتكالا!, وبما أنهم من جاء ادعاء بالاستقلال , لذلك من حقهم الجلوس على الكراسي , جلسوا وجلسوا طويلا ولحد الآن ….مئة سنة بين اليوم وبين نهاية الحرب العالمية الأولى ولا يزالون بعونه جالسون !

تمثل الخطأ الأول باستهلاك قضية التحرر من الأجنبي على مدى العقود, دون الانتباه الى قضية حرية وتحرير شعوبهم , لقد تحررت الدول أو بالأحرى تم السماح بانشاء الدول , لقد ميزت المنظومة القوميةو والدينية بين مفهوم حرية الوطن التي حققها الغير لهم وبين حرية المواطن , التي كان عليهم تحقيقها , التاريخ يقول لنا بأنه لافصل بين حرية الوطن وحرية المواطن , ولا يمكن الادعاء بأن الوطن حر عندما يكون المواطن عبد .

بكلمة أخرى أهملت التنظيات أمر الداخل والبناء الداخلي واستمرت باجترار موضوع الاستقلال وتوظيف هذا الموضوع في خدمة الكراسي , وعندما شعرت المنظومات بتململ الناس طورت نفسها باتجاه يضمن لها البقاء , الفكر العسكريتاري ..الشمولية ..الدولة الأمنية , الغاء المدنية , طوارئ ..الخ مثلوا الدواء لداء التململ , وهكذا سارت الأمور الى يومنا هذا … تتقاتل المنظومة القومية العسكريتارية مع المنظومة الدينية , تارة أخرى يتفقون على تقاسم الغنيمة , وقد أثبتت الأحداث على أنه لاخير بهم ومنهم ان اتفقوا او تخاصموا أو تقاتلوا , أكلوا الوطن وتآكل الوطن الى درجة الاندثار التي نراها اليوم .

اجترار موضوع الاستقلال واستهلاك مادة الاستقلال واهمال الوضع الداخلي لم يكن كل شيئ , الى جانب اهمال الوضع الداخلي , كان هناك اهمال آخر , تسلح الفكر القومي والفكر الديني بسلاح العداء للغرب ورفض التراث العقلاني التنويري لعصر النهضة , المهم كان تكفير الغرب بأي شكل والابتعاد عن الغرب بأي ثمن , والمايسترو كانت هنا المنظومة الدينية , التي شعرت بمخاطر الحضارة الغربية عليها , الحضارة الغربية فتحت باب النقاش امام موضوع المرأة وموضوع الحريات والدساتير والزواج والطلاق والديموقراطية والعلمانية ..الخ , مما أصاب القوى الدينية بالارتباك حتى هذا اليوم , أهلا وسهلا بالسيارات ومنشطات الفحولة وساعات أوميغا وغير ذلك , لا أهلا وسهلا باستقلالية المرأة ولا بالعلمانية ولا بالديموقراطية , لذلك يجب الابتعاد عن الغرب وعن أفكاره الشيطانية , ولا مانع من الاقتراب من الغرب استهلاكيا ..السيارة كانت أهم من الفكرة !.

هناك مناعة ضد التنوير وضد الفكر الحر الذي لايستقيم مع المقدسات التي انجبت ظواهر التطرف والإرهاب والانسداد والتأخر , لم يكن عند الاسلاميين خطة تلائم متطلبات العصر ..شددوا على استنساخ الماضي تهربا من اعباء صناعة المستقبل والحاضر , العداء للفكر الحر الذي كان الغرب منبعا له منع بلورة مشروع نهضوي مستقبلي , لم تكن هناك خطة باستثناء خطة استحضار الماضي التعيسة , ومن لايملك خطة يصبح جزءا من خطط الآخرين , وخطط الآخرين مرفوضه بطبيعة الحال , لذلك سيطرت الغوغائية والارتجالية والعفوية على حال البلاد , وفي سياق محاولة اجترار الماضي الذي هو بطبيعة الحال اسلامي تطورت الطائفية والفئوية والمناطقية والتجزيئية التي كرستها الشرائع السماوية التي ارادت الحلول مكان الوضعية … تلك كانت أوضاع لاتفرز الا الاندثار الذي نلمسه ونراه هذه الأيام .

لقد اقتصرت هنا على فكرتين, الأولى تتعلق بحرية الوطن (استقلال) التي لاتستقيم مع عبودية المواطن , والثانية اهمال الاستفادة من التنوير واللجوء الى استنساخ الماضي , ليس من المعقول أن تقتصر اعاقة النهضة على عامل استهلاك الاستقلال وعامل عدم الاستفادة من التنوير , هناك عوامل أخرى سيتم بحثها تحاشيا للاطالة في مقالات تتبع ,

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • رحلة المعتاز مع جرة الغاز

      على وقع أنغام أغنية ” هالجرة المليانة ” استيقظتِ العائلة ، بعد غرقها بنوم عميق مرهق خالٍ من الأحلام ، إثر يوم عمل مضنٍ ، أُنهِكَت به قواي ، […]

  • الناجون من مسلخ الأسد مجرد كذبة!

     عمر قدور: في إنكارها تقرير «أمنيستي» (منظمة العفو الدولية)، المتعلق بإعدام نحو 13 ألف معتقل بين 2011 و2015، تقول وزارة «عدل» نظام بشار ما مفاده: لو كان الأمر هكذا من […]

  • الى الانتحار مع الأسد

    الانسان لايختار ولادته , فلماذا لايختار موته ؟ لورانس كمال رعد  شاب تم اعتقاله مع أخيه لؤي في يوم 20-5-2013 , واليوم قيل انه توفي   في أقبية المخابرات  , وحتى […]

  • اسس التعبئة العامة الفكرية والاستعداد للسلم

    العنوان  هو البديل الذي أراه مناسبا وضروري  لعنوان المرسوم التشريعي رقم 104 , الذي أعلن  التعبئة العامة والاستعداد للحرب  , وعبارة التعبئة العامة الفكرية مأخوذ من أدبيات المانية  , خاصة […]

  • الحرية هي خيار بين الموت والحياة , وليست خيارا بين خراب وآخر

    تفوح رائحة التشفي والانتقام من زيارة الرئيس الى بابا عمرو , وهنا لا أقصد ما دار في رأس الرئيس عندما قرر القيام بهذه الزيارة , لا شك في  نية ايجابية […]