هويتنا السورية !

June 8, 2018
By

 ممدوح  بيطار:

لا اريد البحث عن هوية سورية جديدة , وبالتالي لا أريد لسوريا هوية جديدة , والصراع اليوم هو بين الهوية السورية التي تبلغ من العمر على الأقل 5000 سنة وبين الهوية الطارئة الجديدة نسبيا والتي تتمثل بالهوية العربية أو حتى الاسلامية , وكلاهما مكونات هوية مزيجة من الاسلام والعروبة ,
في البدء أريد التأكيد على أنه لاوجود لجوهر ثابت للمعالم التي ترتكز عليها الهوية الوطنية , في حين ان جوهر الهوية الوطنية بالنسبة لكل وطن ثابت , فهوية الانسان الوطنية هي أمر لاعلاقة له بالولادة وانما هي أمر مكتسب , والقوانين الوضعية في مختلف الدول تحدد بعض الشروط لاكتساب الجنسية أي الهوية , التي تمثل شكلا أكثر تعقيدا من الجنسية , بعد الاقامة خمس سنوات في الدول الأوروبية يصبح الانسان فرنسيا أو ألمانيا , وحتى أنه لاكتساب الجنسية السورية شروط مماثلة , وعندما يصبح الانسان سوريا فهويته سورية …هكذا بكل بساطة .
عندما لاتترافق الجنسية الجديدة مع هوية جديدة يحدث الخلل , وتتحول الجنسية الى “اذن” اقامة دائمة في البلاد أي مساكنة دائمة , وهذه المساكنة محفوفة بالعديد من المخاطر , وأكبر المخاطر يتمثل بممارسة المواطنية الشكلية , انه سوري شكليا ويعمل من أجل دولة أخرى واقعيا , وهذا هو أمر العروبي أو الاسلامي حقيقة , هذه المواطنة الشكلية حولت الوطن السوري الى وطن شكلي انتهى باقترابه من الاندثار عمليا , ولما نحن في سياق اشكالية الانتماء لا أجد مجالا لبحث شؤون وشحون اشكالية المواطنية الشكلية , الأمر يمثل مقاما آخر ويستلزم مقالا آخر.

عودة الى الهوية السورية والعربية وتناقضاتهم وتوافقاتهم , الأمر لايتعلق برفض أو تفبل الهوية العربية , وانما فقط بالمحاولات القسرية لفرض هذه الهوية العربية على ألآخرين , لقد تقبل الشعب السوري هذه الهوية طوعا لمدة طويلة جدا , رحب بها وأعطاها العديد من الفرص وغفر لها أخطائها وتعاون معها , ليس من العجيب أن تخطئ العروبة ويخطئ العروبيون , ولكن من العجيب أن لايتعلموا من أخطائهم , هنا أريد سؤال العروبيين عن أفكارهم الجديدة بخصوص الوصول الى أهدافهم , وما هي هذه الأهداف , وكيف يريدون الوصول اليها , مع الأسف لانسمع شيئا محددا عن وسائل الوصول الى الأهداف , الا القول بأننا عرب ونفخر بذلك ونتعتز بعروبتنا , وسننتصر على المؤامرات وعلى الأعداء من العملاء …كيف ؟؟ومن هم هؤلاء الأعداء ؟؟؟وما هي الخطة التي ستضمن الوصول الى الأهداف , وما هو تأثير الاعتباطية والتهور الذي قاد الى الفشل وقضى على الكثير من الآمال والأحلام ومن أهمها فكرة الوحدة العربية بالذات ,خبرات الماضي لم تتضمن الا الكوارث , وبالرغم من ذلك يصر العروبيون الاسلاميون على مواقفهم القديمة , والتي سوف لن تجلب الا الكوارث , فهل علينا الاستسلام لكوارثهم ؟ , أو انه من واجبنا احتراما للوطن مجابهة تكاثر الكوارث ؟.

لايبرر العوربيون الاسلاميون ضرورة العروبة بنجاحاتها , وانما بكونها صفة عرقية تمتد جذورها الى ماقبل التاريخ الاسلامي , عمليا لاقيمة لهذه التبريرات , لأن المهم هو نجاح التجربة بغض النظر عن جذورها العرقية والتاريخية , في هذه الحالة يتوجب علينا البرهنة عن ضعف وهزالة أمر الجذور والعروق التي تمثل جوهر وأساس اهتمامهم , ولا تمثل بالنسبة لنا الا هوامش لاقيمة لها .

الخوض في الأمر السوري جغرافيا وديموغرافيا في السنين ال5000 الأخيرة هو أمر لايأتي بنتيجة مفيدة , الأفضل من ذلك هو بحث أمر سوريا جغرافيا وديموغرافيا في القرون الأربعة عشر الأخيرة , والعودة الى التاريخ تفيد بأنه كان لسوريا خاصية مؤكدة عند حدوث الفتح العربي الاسلامي في القرن السابع ميلادي , هناك من لم يصنف العرب ضمن الشعوب السورية آنذاك , لأن العرب لم يكونوا قد استقروا في سوريا , ومنذ حوالي أربع آلاف من السنين وحتى الاحتلال العربي الاسلامي لبلاد الشام كان سكان سوريا يتألفون بشكل رئيسي من الفينيقيين (فرع من الكنعانيين ) على الساحل السوري ومن الأموريين في الوسط والجنوب ثم الميتانيون في الشمال , لا شك بتواجد بعض البدو العرب في سوريا حتى قبل الاسلام , الذين استقروا في البادية وفي المواسم كانوا يقيمون مخينات على ضواحي بعض المدن بقصد البيع والشراء , أقوى حضور للعرب “الغساسنة ” كان في مناطق بصرى .

لما أصبحت سوريا جزءا من الخلافة الاسلامية , تغلغل العرب بعد ذلك في الداخل السوري , وبالرغم من ذلك كانت نسبهم قليلة , بعد غزوات السلاجقة في القرن الحادي عشر وغزوات العثمانيين في القرن الخامس عشر تم توطين بعض التركمان لأغراض عسكرية في سوريا , وفي القرن التاسع عشر خلال الحرب الروسية العثمانية تم توطين بعض شركس القوقاز في المناطق الكردية للمساعدة في مجابهة الانتفاضات الكردية البدوية , وفي القرن العشرين تم توطين من هرب من الأرمن في سوريا .
أول من أنتج سوريا بحدودها الحالية كان سايكس-بيكو , حيث تم تأسيس الاتحاد السوري سنة 1922 والدولة السورية 1925 الى يوم الجلاء 1946 .من الملاحظ بأن الدولة المستقلة عام 1946 كانت تحت اسم الجمهورية السورية ولم تسمى الجمهورية العربية السورية , ادراكا من النخب الحاكمة بأن سوريا ليست ملكا للعرب فقط وانما هي ملك لعدد كبير جدا من الفئات والشعوب التي وجدت قبل الاسلام وازداد عددها بعد الاسلام , اقحام لفظة “العربية” حدث في فترة الاختطاف العربي , حيث تم سلخ سوريا من مكوناتها الأخرى قبل وبعد الاسلام وتطويبها باسم المكون العربي والمستعرب , لقد أصبح من المفروض على الكردي والتركماني والفينيقي ….الخ أن يحمل بطاقة مكتوب عليها اسم المدعو بأنه عربي سوري أي عربي رغما عن أنفه , وفي الهوية كتب قبل ذلك مفردة “سوري ” فقط , لقد كان الوئامم والتفاهم بين السوريين من مختلف الأصول تحت اسم “سوريا” أفضل بكثير من ر التفاهم الذي تآكل بشدة تحت اسم الجمهورية العربية السورية .
من لاتاريخ له ليس له حاضرا أو مستقبلا, لاوجود في تاريخ هذه البلاد الا قاسما مشترك ا واحد ا هو ” السورية ” لمن عاش في هذه البلاد منذ أقدم العصور ولحد هذا اليوم , لاعلاقة للانتماء السوري بأي طارئ تاريخي كالوجود العربي الاسلامي الذي بلغ من العمر 1400 سنة , فقبل هذه المرحلة كانت هناك حالات طارئة عديدة منها الرومانية والبيزنطية والفارسية والفينيقية والآشورية والكثير غيرهم , لاعلاقة للانتماء للوطن السوري بالعرق أو الجنس أو الدين أو العشيرة …, وانما فقط في هذا العصر بالجنسية التي تمثل قانونيا نوع الانتماء للمجتمع الذي يشكل الدولة , لاوجود في المجتمع لمن هو أصيل ومن هو دخيل , فكلنا دخلاء أو كلنا أصلاء …لافرق !

Tags: , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • اليسار في الزمن الثوري(الجزء الثاني)

    فواز طرابلسي ديمقراطية علمانية ذات همّ اجتماعي لا جديد في القول ان الثورات الراهنة محط نزاع على مستويين. المستوى الاول هو النزاع الناجم عن التدخّل الخارجي، متعدد الاشكال والاطراف، الساعي […]

  • الاستبداد والوعي الغائب!

      بقلم:ميشيل كيلو الاستبداد  للفنان العراقي الكردي اسماعيل خياط يجعل خلق كثير، الاستبداد مسؤولا عن تدني سوية الوعي السياسي عند عامة السوريين، وهذا اعتقاد صحيح فيما يتعلق بالنظام. لكنه لا […]

  • الإسلام والوعي .. التناقضان الذين لا يجتمعان أو يلتقيان

     هشام  أحمد :    ان فعل  المعرفة لا يختلف عن فعل الوجود، إنه فعل المشاركة في الوجود .. وإنه نظرنا لمعرفة المسلمين والتي هي التعبير عن مشاركتهم في الوجود الإنساني […]

  • ثوابتنا القاتلة !!!

     سمير صادق:   هناك الكثير مما يميزنا عن غيرنا , وموضوع “الثوابت ” هو أحد هذه الميزات التي لاتجد تداولا الا في الخطابات السياسية والدينية والاجتماعية الشرقية العربية , فبالرغم […]

  • كيف بَنت عائلة الأسد دولة المخابرات في سورية؟

     بقلم:رضوان زيادة *** تقسم أجهزة المخابرات  السورية إلى المخابرات العامة (أمن الدولة) والتي تتبع رسمياً لوزارة الداخلية، والأمن السياسي الذي هو دائرة من دوائر وزارة الداخلية، والمخابرات العسكرية ومخابرات القوى […]