عن الدولة المعكوسة!

جورج   بنا :

كلما ازدادت  الكارثة حدة , تعالت الأصوات التي تنادي  بالتسامح والحب  والأخوة , وكما نرى لاتأثير لهذه المواعظ على مجرى الأحداث , التي تزداد ضراوة وتوحشا  يوما بعد يوم, سبب فشل هذه المساعي  يعود ,حسب تقديري  , الى أن الكره وعدم التسامح  ليسوا  أسباب  الكارثة  , وانما الكره وعدم التسامح وحتى التوحش  هم نتائج للكارثة   وتمظهرا  لها  , سبب الكارثة هو  عدم الانصاف المزمن ثم الهيمنة والتسلط  , حتى يتسامح مواطن مع الآخر وحتى يحب مواطن المواطن الآخر  وحتى   تنطفئ شعلة العنف يجب معالجة السبب   بعد   التعرف  عليه .

 أين هو عدم الانصاف في هذه البلاد , او السؤال بشكل آخر وأفضل  , اين هو الانصاف في هذه البلاد ؟الجواب بسيط  , لايوجد انصاف  لأنه لاتوجد مساواة ولا توجد عدالة اجتماعية   ومستنقع الفساد  هو المثالي لنمو  التفرقة وشعور البعض على أنهم مواطنين من الدرجة الثانية , لاتوجد حرية  تمكن الانسان من  المصارحة  , وبدون مصارحة من الصعب معرفة  سبب عدم الشعور بالسعادة  , ومن الصعب معرفة موقف المواطن من تطورات الوطن , كما أن  انعدام امكانية  التعبير عن الرأي  يولد نوعا من الكبت  والاحتقان , الذي يقود يوما ما الى الانفجار , وما حدث في سوريا في  القرن  السابق  ليس  الا  انفجارات   مختلفة  الشدة   , كان     الانفجار  الأخير  أكثرها  ضوضاء ,  الا   أنه كان   أيضا  تعبيرا  منطقيا  عن  مجموع    التفجيرات   السابقة   ,  التي   تطورت  بدءا  من  عام  1958   بشكل  جعل  من  عام  2011   حتمية   لامناص  منها   , فمن يلغي   السياسة   والأحزاب     ويؤسس    للديكتاتورية  المطلقة  وللدولة   الأمنية  وللدولة   المعكوسة التي  تختار  الشعب   بدلا  من  اختيار  لشعب  لها  , عليه   توقع  عام  2011 ,  ومن   يسمح  بدءا  من  عام   2011    للأسدية مع  الأصولية    أن  تتحكم  بمقادير  البلاد   ,  عليه   توقع    اندثار  هذه  البلاد ,  الاندثار  مسألة  وقت  فقط !

ليس من السهولة السيطرة على الانفجارات   , التي قد تدمر الآخر والذات أيضا  , الانفجار  أرعن  أحيانا , الانفجار   يبالغ  والانفجار يتحدى ويستفز  ويحرق الأخضر  واليابس , لاعقل للانفجار  ولا عواطغف ولافهم  ولا تقدير عقلاني للعواقب ..انه ثورة ! , والثورة انفجار , لذا لايمكن أن ننتظر من الثورة  الانفجارية عقلانية مثالية  , ولا يعرف التاريخ ثورة  سارت وتطورت  بالعقل فقط , هناك الكثير من الأمور المعنوية والعاطفية  واللاعقلانية والغير واقعية   التي   تؤثر  على   الممارسات    وتتحكم     بسيرورتها    أكثر من  تحكم  العقل  بها  , لذا يجب أن نفهم  الواقع  كما  هو أو  كما يمكنه أن يكون  , وليس كما نحلم به  أو حتى نريد له أن يكون .

 الثورة مجيدة بامتياز  , لأنها ثورة الشعب بأكثريته  ,لأن الأكثرية تضررت من النظام  الأسدي ,والثائر هو بشكل عام المتضرر , وليس بالضرورة من يحمل البندقية  , الصامت ثائر   خائف  , والقلم ثائر مرعوب يتخفى وراء  اسم مستعار , والمغترب ثائر  لأنه يشعر بجوع وجزع  ورعب أقاربه وأصدقائه , والجندي الذي يقتل  ذويه مرغما    بتوكيل  من  الأسدية   او  الأصولية  هو ثائر  يخاف من  الاعدام الميداني , كل يثور  حسب  امكانياته  ووضعه , هناك من يخاف من تسريحه من العمل , وهناك من  يخاف من المستقبل مع النصرة  وداعش ,  النسبة بين أكثرية وأقلية  تنبثق عن النسبة بين المتضرر  من  عدم  الانصاف  والمستفيد  منه ,  وهل  استفادت أكثرية الشعب السوري من سلطة الأسد   وشراكتها   التدميرية  مع  الأصولية ؟ .

 لا شك بوجود أقلية  استفادت من الأسدية  , لذا  تشعر  بواجب  تأييدها ,والأكثرية تضررت من الأسدية , ولها الحق في معارضتها ..سيان ان كان ذلك بالصمت أو القلم أوالتظاهرة أو البندقية أو المدفع ,وحق  تأييد  الأقلية المستفيدة  للأسدية  يفترض  كون هذه  الاستفادة مشروعة, فالسلبطة والسرقة والنهب  والابتزاز  والرشوى  ليسوا سبلا مشروعة للاستفادة ,  لذا لايمكن القول على أن الأقلية المؤيدة  “استفادت “,  بل يجب القول على أنها سرقت ,واللصوصية هي حالة  جزائية  لاتسمح الا بارسال اللص الى السجن , لذا لا يمكن القول  على أنه  للأسد مؤييد ,بل له شريك في اللصوصية , وهل  هناك  أكثر  منطقية  وحقانية  من  معاقبة  اللصوص   في المجتمعات   االتي  تكون  اللصوصية  بها  استثناء ؟؟؟ بلادنا  معكوسة   وبها   الأمانة  استثناء  واللصوصية  قاعدة ,  لاشعبية  للأمانة  في  مجتمع  اللصوص!!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *