القطيع المطيع وثنائية الطاعة والانصياع !

June 8, 2018
By

نبيهة  حنا:

هناك الكثير من التمظهرات التي تثير العجب في بلاد العرب , فالمحنة التي تعيشها البلاد العربية الاسلامية غريبة عجيبة وقد كان لها أن لاتكون , واستعصائها على العلاج أشد غرابة , ولما كان الخلاص امنية كل عربي مسلم , لذلك فان المراجعة بهدف التشخيص ضرورية , لاعلاج شاف دون تشخيص صحيح .
مايلفت النظر في التاريخ العربي الاسلامي خلوه من الثورات الشعبية , بالرغم من وجود مسببات عدة لاندلاع التمرد او الثورة بشكل أعم , فقد قدم الخلفاء بمجونهم وظلمهم وجواريهم وغلمانهم الكثير من المسببات لثورة شعبية لم تحدث خاصة في الحقبة العثمانية من الخلافة الاسلامية , لقد تمركز الرفض والقبول على شخص الخليفة واقتصر امر التغيير على شخص الخليفة الذي قتل عندئذ من قبل الأخ أو الابن او الزوجة او الجارية , خليفة يأتي بارادة الله ثم يقتل بارادة شخص آخر, وبعده يأتي خليفة آخر بارادة الله , وقد يقتل أيضا بفعل الشخص ..الخ …وهكذا تم التغيير بصيغة الانقلاب التي نعرفها من الانقلابات العسكرية , وحتى الحروب الكارثية مثل الجمل وصفين وكربلاء والردة … كانت بسبب الشخص ومن أجل الشخص , ولا نعرف من اسباب مقتل خليفة ان كان عمر او علي أو غيرهم الا الاسباب الشخصية كما هو الحال مع الانقلابات التي تغير الشخص وما تبقى يبقى على حاله.
لقد كان علينا أن ننتظر دهرا حتى يحمل الجبل وينجب فأرا, أطقنا علية اسم الثورة العربية الكبرى , التي لم تكن ثورة ولم تكن كبرى , فشخص الحسين اراد لشخصه كعكة , ومن أجل الكعكة قام بتمثيل دور الثائر على العثمانيين , الذين طردوا من المنطقة على يد الانكليز وليس على يده المباركة , وما حصل عليه الحسين كان مناسبا لما قام به , أي لاشيئ , انتظرنا حتى الخمسينات واذ بنا أمام انقلاب في بلاد النيل سموه أيضا أيضا ثورة , وعلى هذا المنوال انقلب العسكر في بلاد الرافدين وفي سوريا …دائما كانت هناك ظاهرة انتحال الانقلاب العسكري للقب “ثورة” , وفي الثامن من آذار كانت هنك ثورة مجيدة , وأعظم المجد أتى من خلال الحركة(الثورة) التصحيحية , التي لانزال حتى هذا اليوم ننعم بها ونقطف ثمارها الشهية , أدام الله نعمتها علينا وعلى كل العرب المسلمين .
هناك بالطبع العديد من المسببات لهذا الوضع المبكي , هنا أريد التطرق الى بعض المسببات حيث لايتسع المجال لبحث كل المسببات في مقالة واحدة , فأحد مسببات النكسات التي لاتريد التوقف هي ثقافة الطاعة والانصياع للسلطان تبعا للمفهوم العشائري للسلطة والسلطان , المفهوم أصدر قائمة للفضائل التي منها ممارسة الطاعة والانصياع للسلطان والسلطنة , وكلما عظمت الطاعة عظمت الفضيلة ,السلطة لاتتمثل فقط بالسلطان , فهناك النص الناصح بطاعة السلطان , وهناك الفقه الذي لم يخذل السلطان اطلاقا ومارس التأويل لصالحه دائما .
يولد “الاستبداد” بشكل عام من رحم”الانصياع” المؤسس على الطاعة وليس على القناعة , الطاعة في طبيعتها عمياء , وتلغي عقل المطيع ثم تحذف ارادته التي تحتلها عندئذ ارادة المستبد , حذف عقل المطيع يعيد المخلوق البشري الى حالة تقترب من الحيوانية التي تتمثل بالوجود الفيزيائي فقط لهذا المخلوق البشري البدائي , الذي تحول الى معلوف على معلف …. تحول الى قناة هضمية , حيث يدخل العلف من جهة وتخرج الفضلات من جهة أخرى بعد استخلاص الطاقة منها , الانصياع الذي يتأسس على الطاعة هو المضاد الرئيسي لمفهوم الديموقراطية , وهو الحليف المبدئي للفكر الغبيي الديني , الذي يطالب على الدوام بالانصياع للخالق , الذي يتكاثر ويتناسل ليس فقط في السماء, وانما على الأرض ايضا , فكم من آلهة على الأرض لها كسم البشر ؟.
ليس النص وحده وليس الفقه وحده هم من يكرس ثقافة الطاعة والانصياع , هناك هرمية المجتمع الأبوي , الذي يتسم بثنائية التسلط والطاعة , فالعلاقة ذات النزعة الأبوية هي بطبيعتها علاقة تسلطية استبدادية تتطلب ثقافة هجينة تكرس تنائية السيطرة والطاعة وتلغي الحوار والتفاهم في الأسرة وبالتالي في المجتمع وبالنتيجة في السلطة , العلاقة الهرمية في الأسرة تحول أفراد الأسرة الى مجرد ألات يحركها رب الأسرة , كما يحرك السلطان آلاته البشرية في المجتمع ,
لايقتصر تحويل المجتمع الى أسرة على الآليات فقد , وانما يحرص المجتمع التقليدي الأبوي أيضا على نزع صفة الدولة عن السلطة والبلاد , وتحويل البلاد الى ملك شخصي بشكل مزرعة مثلا تنتقل من الأب الى الابن ارثا بحكم أعراف المجتمع الأبوي وربوبة رب الأسرة الذي يصبح في اطار الدولة سيد البلاد وأب الجميع ومالك للأرض وما عليها .
من هو بطل الأمة ؟ , الجمود هو بطل الأمة بدون منازع, والذي لم يعرف أي هزيمة في عشرات القرون السابقة , التماهي بممارسة الطاعة لكونها حسب القوانين الدارجة وفاء , وفي سياق الطاعة والانصياع قد تتم التضحية بالحياة من أجل الأب المعبود الذي قد يفدى بالروح والدم, وماهي روادع ذلك الأب الذي يفدى بالر وح والدم من ارتكاب أي نزواتية تخطر على باله؟, اعلان الفداء بالروح والدم ليس الا دعوة للديكتاتور الأب لكي يصبح أكثر ديكتاتورية وأشد حماقة وفردية وعنجهية .
لقد أخفق العرب الاسلامي في تمهيد الطريق لاكتساب الحرية والحداثة , خسروا الحرية لالتزامهم بثقافة الطاعة , وخسروا الحداثة لوضعهم هذه الحداثة في تلازم مزمن مع عدو خارجي مفترض , استصعبوا طلب الدواء ممن اعتبروه مصدر الداء , الحرية خلق وابتكار والطاعة امتثال حتى للأشرار , الفرعون أو السلطان يخشى الحرية ولا يطمئن للحداثة , وبالرغم من ذلك فالمشكلة لاتتعلق به مبدئيا , وانما بالرجة الأولى بالقطيع المطيع طوعا .

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • هكذا دمر”إعلامهم الوطني” سورية.. ولايزال!

    يظلم الحقيقة من يقول بعدم وجود وسائل إعلام عربية وغير عربية “مرئية تحديداً” سعت وتسعى لإحراق سورية وشعبها، كما يخطئ من يقول باستقلالية الإعلام في أي زمن أو مكان كان، […]

  • الدستور السوري من عام 1950

    كثر الحديث عن دستور سوريا من عام  1950 وللتعرف على تاصيل هذا الدستور  تقوم سيريانو بنشره . نحن ممثلي الشعب السوري العربي، المجتمعين في جمعية تأسيسية بارادة الله ورغبة الشعب […]

  • السذاجة …ومضاعفاتها في الحرب

    by:A.katrib هناك قاسم مشترك بين كل الحروب العربية  , خاصة ضد اسرائيل , هذه الحروب تتميز بنوع من السذاجة في تقييم قوة العدو , ومن لايقيم  قوة العدو بشكل دقيق […]

  • ليس من جديد في هذه البلاد باستثناء عدم وجود وطن !

    فاتح البيطار: يقال  في  الوحدة قوة  , وهذا ينطبق  على  وحدة قوى الخير وعلى وحدة قوى الشر , ولما تواجدت بلادنا   في حالة  سقوط مدوي , لذا  علينا   افتراض   […]

  • حوار مع جاد الكريم الجباعي ..الثورة السورية!!!

    أكد الكاتب والمفكر السوري جاد الكريم جباعي أن الاحتجاجات التي تشهدها سوريا لم تنحسر لأن إصلاحات النظام مراوغة وغير مقنعة، معتبراً أن السلطة لم تقم بأي إصلاح سياسي جدي حتى الآن.. وهي […]