عن المؤامرة مرة أخرى !

March 12, 2018
By
  • نبيهة  حنا :

     

    أنه من الصعب في مجتمع ارتشح عقله بالتفكير الديني التخلص من مفاهيم القدرية والاتكالية..ونظرية المؤامرة هي الحاضن الأفضل لمسلكية التنصل من المسؤوليات الاستراتيجية الفعالة , والتي يمكنها قيادة المجتمع الى النجاح , واستخدام نظرية المؤامرة بالشكل المتداول في هذا الشرق يمثل ورقة التوت التي عليها ستر عورات التخاذل والانهزامية .. ومن خلالها يقال , ان وضعنا المذري هو من صنع المتآمر , وماذا نصنع نحن ؟؟؟ لاشيئ الا التفسيرات الباهتة الاستسلامية القدرية الاعتذارية الساذجة والسخيفة.
    الى جانب مسؤولية ارتشاح التفكير الديني في العقول عن صحوة نظرية المؤامرة , لابد هنا من توجيه اصبع الاتهام الى النظم العربية عامة , والتي ساهمت أكثر من أي مستعمر غاشم في تحطيم وافقار وتأخير كيانات مجتمعاتها , أنظمة اللصوص والمجرمين بحاجة الى قناع نظرية المؤامرة لكي تختبئ خلفه .. فالمسؤول عن الفقر هي المؤامرة !! , والمسؤول عن هزيمة 67 هي المؤامرة ..لامسؤولية للجنرالات عن ذلك , والدليل على ذلك هو ترقية الجنرالات بعد الهزيمة الأسطورية , فوزير الحرب يصبح رئيسا للجمهورية ..ترقية عملاقة لنصر عملاق …!!
    الفاعل في هذا العالم هو الذي يملك الاستراتيجية الفعالة , والمنفعل المفعول به في هذا العالم هو المختبئ خلف نظرية المؤامرة , التي لاتمثل الا عدمية الاستراتيجية ,والنكسات أو الهزائم التي نعانيها ونعاني منها ليست الا   صورة عن انعدام الفعل بسبب انعدام الاستراتيجية , نتيجة ذلك هو الخروج من التاريخ , وعلى مايبدو فاننا لسنا أهلا للبقاء به وذلك لأننا لسنا فاعلون  وانما مفعول بنا !

    نعم اننا نعيش بدون أي شك نتائج اعمال عدائية ,لاتمت للعمل الخيري بصلة , والفرق عمليا بين مايصر البعض على تسميته مؤامرة وبين مايسمى عملا استراتيجيا عدائيا عمليا غير موجود , الفرق موجود فقط في ادراك الجهة المغدورة نفسيا للواقعة , من يدرك ذلك كمؤامرة يميل الى اتخاذ وضع استسلامي , وبذلك تتناقص المقدرة على معاكسة  العمل الغادر , والفعل العربي اتسم في السنين سنة الأخيرة بسمتين على الأقل , الأولى هي الفشل في تحقيق المكاسب واسترداد الحقوق المسلوبة , والثانية هي التسلح النفسي المثبط بادراك يوحي بأنه من غير الجدوى الوقوف ومجابهة الاستراتيجية العدائية(مؤامرة) باستراتيجية مناسبة ..القدرية مثبطة والحياة السياسية التي علينا أن نعيشها وننتصر في معاركها لاتستقيم مع القضاءوالقدر , اله الأرض الفاشل يريد دوما تبرير فشله , وذلك بتصوير الفشل وكأنه مكتوب من السماء .. انها مؤامرة عملاقة لايقوى احد على مقارعتها , وبالتالي فمغفورلاله الأرض فشله .
    توجد علاقة طردية بين الفشل وبين التسلح بنظرية المؤامرة , وقد كانت دولة الفاتيكان من أكثر دول المعمورة تسلحا بهذه النظرية عندما هدد التجديد البروستانتي عظمة الكنيسة الكاتوليكية .. وكلما ازداد فشل الحكام العرب , ازداد تعلقهم بنظرية المؤامرة , وتكاثرت جهود هؤلاء الفاشلين لاقناع الرعية بتلك النظرية …والجهود, كما نرى, تثمر في العديد من الحالات ,
    ليس الهدف من الحديث عن الاستراتيجية العدائية بدلا من الحديث عن المؤامرة هو تلطيف العمل العدائي , بل بالعكس , فالهدف هو تأمين الوضع النفسي الذي يسمح بمقدرة اعلى في التصدي للعمل العدائي , وهكذا نرى  هذا العالم نوعان من المجتمعات والشعوب ..شعوب ومجتمعات فاعلة وقادرة لاتتحدث قطعا عن مؤامرة , وشعوب ومجتمعات بدائية  (nomadic) نائمة  وسكرانة ومخمورة بخمرة قرون  الاسلام  الأولى  لا تتحدث الا عن المؤامرة ..اين نحن ؟؟بدون شك لسنا من النوع الأول
    الفساد الذي يضعف الشعب والدولة , يسهل مهمة الاستراتيجيات العدائية , واذا   أصر البعض  وأظن  بأنهم  سيصرون على التحصن وراء نظرية المؤامرة , فاسمحوا  لي أن أقول على أن الفساد وسرقة الشعب وقهره وقتل العقل واعدام السياسة وسجن البشر ثم قطع لسان المعارض وتعريض البلاد الى حرب أهلية وشطر المجتمع الى فئات وطوائف , والى عملاء ونبلاء ..وطنيين ولا وطنيين والتسلط على البشر ..الخ هم جزء لايتجزأ من “المؤامرة “, والأضرار التي الحقتها حزمة الموبقات التي ذكرتها بالوطن , تفوق الأضرار التي الحقتها أي من “المؤامرات ” الخارجية بهذا الوطن.

Tags: , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • أخجحل بسوريتي !!

    مي  أسعد: “ومَن يَقتل الشعب والجيش في سورية، ومَن يختطف الأحياء وساكنيها، ويجعل منهم رهائن ودروعاً بشرية واستحكامات عسكرية وقواعد انطلاق للهجوم على الدولة السورية، هم نوعان: عصابات إرهابية ظلامية […]

  • قندهار حلمنا والجهاد حياتنا !

     ممدوح بيطار:  لو  سألنا مئة  من الاسلاميين  عن  تعريف  العلمانية لكانت  معظم  أجوبتهم   تدور حول  الاباحية والالحاد ومحاربة  الدين الاسلامي …ولربما   أجب 1% منهم بالشكل  التقريبي  التالي : “العلمانية تعني […]

  • ولادة الذات السورية وموت الوهم العربي

    لايزال هناك من يتوهم , وفي جريدة الثورة السورية هناك من يتوهم , اذ تعرفت هنا على مقال  لكاتب الثورة تحت  عنوان  “ولادة الذات العربية” في قسم “معا على الطريق”, […]

  • دفاعاً عن العاهرات و في هجاء النظام

    بقلم:حمزة رستناوي من أكثر الأوصاف المُستفزَّة  تشبيه النظام الاسدي بالعاهرة , فهو تشبيه لا يناسب الحال السياسي و الاجتماعي …لا بل و حتى الحال اللغوي  . * العاهرة امرأة تمتهن […]

  • الداء الأمبراطوري !

    جورج بنا: من منا لايعرف  العلاقة السببية بين  الأزمة , وفي  الغالب   أزمة اقتصادية,  وافتعال الحروب  , الأوضاع الاقتصادية قبل الحروب العالمية الأولى والثانية  كانت مثالية بما يخص   آلية […]