بين انتماء المواطن واستنماء المستوطن !

March 7, 2018
By

سمير صادق:

 تتشابه  الشعوب  العربية ببناياتها وبديكتاتورياتها , وبالتالي بتشابه  الحلول لمشاكلها , أقرب الدول العربية الى  بعضها البعض  هي العراق وسوريا  ,  فهناك انظمة جمهورية  (شكليا) وهناك البعث  والتوريث  والطائفية  ثم الصراعات  الفئوية   التي  انحدرت  من  المستوى القومي  الى المستوى المذهبي   الشخصي العائلي العشائري , . المستقبل يبدو  معتما وداكن السواد , وسوريا في طريقها لتصبح  خراب,  أو بالأحرى أصبحت خربة!

سوريا تعاني  , كأي دولة  خاضعة للديكتاتورية المزمنة من  فقدان قيم   . وامتلاك قيما أخرى  , وما فقدته سوريا  بشكل رئيسي  هي قيم “المواطنة”  وما  كسبته  هي قيم  شوهت  وجه المجتمع السوري  وممارساته   , ما خسسرت سوريا هو  دين االمواطنة المدني , وما كسبته هو  دين  الانتماءات الفئوية  الطائفية.

الدولة  ترتكز بشكل رئيسي على  المواطنة  , التي   تقوم على أساس  ائتلاف مجموعة  بشرية متعددة الأطياف  دينيا وعرقيا وقوميا ..الخ  ثم دمج كل ذلك في  كيان سياسي  وجغرافي واحد   , وبذلك تستحق تسميتها دولة  ,الدولة السورية  فقدت هذه المقومات   , وذلك لانها انحدرت من مستوى  الجامع لكل الفئات , الى مسنوى المفرق للفئات عن بعضها  البعض ,  ولم تعد هناك من طريقة لتعامل الفئات مع بعضها البعض  الا طريقة  “السيطرة” , أي انه يجب على  فئة  أن “تسيطر” على فئة أخرى , وذلك لمنع الفئة الثانية من “السيطرة ” على ألاولى , ثم ان السلطة جددت نمطا قديما  , هو نمط  التقسيم الطائفي للمجتمع , الذي يحجر ويكلس فئاته  , ويجعل من الحروب بين هذه الفئات أي الحروب الأهلية,  أمرا لامناص منه , فالحروب الأهلية تصبح  الزاما  عندما   تتقلص خيارات المواطن  الى خيارين ..اما قاتل أو مقتول ,ولا يريد احد أن يكون  مقتولا , لذا يتحول الجميع الى قتلة  , والى القتال , وها نحن في هذه المرحلة .

لاوجود  للشعور  بالانتماء  الى وطن   تحول الى موطن , فالفرق  بين الوطن والموطن هو كالفرق بين البيت والفندق , علاقة  الانسان  ببيته هي غير علاقته بفندقه , وتحت ظل الديكتاتوريات يتحول الوطن في  أحسن  الحالات  الى موطن , وتصبح علاقة الانسان بالموطن  علاقة هشة  تقتصر على تبادل بعض المصالح الهامشية , لاروح بها ولا  انتماء   , هي علاقة محدودة  زمنيا  لاعمق بها , ولا تشابه بها بين مصير المستوطن ومصير الموطن …. فلكل  مصيره   ! , وهذا هو  الفرق بين المواطن  والوطن , حيث انه للمواطن والوطن مصير مشترك , وفكرة المصير المشترك هي الفكرة التي  تدمرها الديكتاتوريات أولا,فكلما  تقلص  دور  الشعب  تضخم  دور  الديكتاتورية  وكلما   مات  الشعب  عاشت  الديكتاتورية , التي  تختزل   الوطن بشخص الديكتاتور  أو بحزبه أو عائلته أو جماعته أو عشيرته , الغربة الأكبر بين الوطن والمواطن  تحدث  عند اختذال الوطن بالشخص , لأن الاشكال الأخرى للاختذال    بالعشيرة أو بالحزب تعتبر  اشكالا راقية بالنسبة للاختذال بالشخص , ماهو موجود عندنا في سوريا هو من أخطر  وأعتى وأضر أشكال الاختذال ,

الانظمة الشمولية والديكتاتورية القائمة  على اكتاف الحزب الواحد أو الشخص الواحد  والتي تختصر البلاد بأكملها  تاريخيا وقانونيا  وسياسيا  بتاريخ وقانون وسياسة الشخص , هي انتهاك لقضية المواطنة , انتهاك يحول الوطن في أحسن الأحوال الى موطن ..الى فندق ,  ذلك لأنه لايمكن اختصار  الوطن بكامله   ثقافيا واجتماعيا وسياسيا بالشخص ,  الفلسفة والتاريخ والسياسة لها منبع واحد  هو أقوال الرئيس , وحتى  نوبات  الضحك التي تنتاب الرئاسة  في معظم الحالات  هي نوع من الابداع   الرئاسي , الذي  يطلق  العنان لنوبات التصفيق , كلما ضحك صفق القطيع , وهل يمكن  اعتماد هوية للمواطنة عندما يتحول أمر الوطن  الى مهزلة  تهريجية من هذا النوع , والضحك المضحك ليس بالكارثة الأكبر ,  فكارثة  اغتيال الحريات  واغتيال الحقوق الاساسية للمواطن  واشاعة التمييز  القومي والديني  في المجتمع وما يتبعه من  تعصب وعنصرية   وما يتلوه من  صراعات وكراهية   وزعزعة للسلم الأهلي  , وما  يعقبه من تعريض البلاد الى مخاطر الحروب الأهلية , هو المهم , والأكثر أهمية , لقد ضحك التاريخ منا في سوريا , وأصبحنا شراذم تتقاتل  ببربرية لامثيل لها , وصلنا الى قاع   الانحطاط .

لقد كان من الممكن تجنب كل ذلك , وكان من الممكن بناء دولة مدنية ديموقراطية حرة  تحت سقف من العدالة الاجتماعية  والشرعية  الداخلية والخارجية , وكان من الممكن ان تصبح هوية السوري وانتمائه  لسوريته  “مفخرة” في العالم  وقدوة لشعوب الأرض , الا أن البعث بهدفه  احياء  الماضي    لم يدرك  على مدى نصف قرن من الزمن بأن  طريق  التقدم  هو  تقدم  الشعب  وليس تقدم  مصالح  اللصوص من  الأقرباء   والأنسباء والزبانية   والمرتزقة   على مصالح  الشعب , ثم   الاسلام  السياسي بهدفه   احياء  الماضي   ايضا  لم  يدرك  بأن  التقدم  يكون  الى  الأمام  وليس  الى  الوراء , ولم يكن بمقدورهم جميعا   التعلم  وتحليل   الأحداث  واستنباط الخبرات الايجابية  , فهمهم الوحيد كان  الاثراء المادي  التافه, و هم  الآخرين   كان  الاسلام  واستحضار  صدره  الى  الحاضر, فكل شيئ  دار  في الموطن حول المليارات  وحول الطرق التي تقود  الى   الخلافة ,  والنتيجة هي  كما يرى من فقد البصر  كارثة , فقدنا كل شيئ  وتحول وطننا الى موطن , يا للعار!

 

 

Tags: , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • فضائح اعلامية اصلاحية سورية

    نحن أمام فضيحتين إعلاميتين جديدتين في سوريا، الأولى هي تشكيل ما يسمى بالمجلس الوطني للإعلام، والثانية، قيام نفس هذا المجلس، وعلى الفور، بسحب عدد يوم الأربعاء 23/11من جريدة خاصة سورية، […]

  • ما أسهل تغيير الرؤوس وما أصعب تغيير النفوس!

    بقلم: فيصل القاسم هل تغيرنا فعلاً، نحن العرب، بعد أن ثرنا على الطواغيت؟ هل ثرنا فعلاً كي نتغير؟ هل يمكن أن نتغير بمجرد الإطاحة بمن كانوا يحكموننا؟ أم إننا نسخة […]

  • العنف وطبائعه , الكذب ووسائله !

    أستأذن من السيدين   صلاح نيوف   ونديم الصالح  حشر نفسي في نقاشهم  حول  موضوع العهر  وموضوع صحافة نزار نيوف , نقاش  تابعتة بمنتهى  الاهتمام  والشغف ,  وبينما كنت  في جولتي   […]

  • هل لنا من خيار الا الانتحار ؟

    الانسان السوري خائف , ليس منذ أمس  وليس منذ سنة , وانما منذ40  سنة  , وحتى منذ 1400  عام , فالتخويف  هو هدف   الممارسات القمعية , والخوف هو الحاضن الأمثل […]

  • من يرى الحل الأمني , فهوأعمى وأطرش

    خطاب الرئيس مليئ  بعنصر المفاجأة , فمن يقول (كلام الرئيس)ان سوريا  , والقصد هنا السلطة , اختارت الحل الأمني فهو لايسمع ولا يرى , ولم يقل الرئيس  لايفهم ,  ومن […]