“استبداد الأغلبية” في النظم الديمقراطية!

March 22, 2018
By

 عربي:

سألني أحد الإخوة السؤال التالي: “هل يقبل النظام العلماني بان يكون الاسلام مصدر اساسي للتشريع في حال أرادت الاغلبية ذلك بالسبل الديمقراطيه؟”. أعطاني هذا السؤال فكرة لكتابة هذا البوست.
رغم أن السؤال فيه تناقض لأن النظام العلماني بحسب تعريفه هو فصل الدين عن الدولة، لكني سأعتبر أنه يسال عن “النظام الديمقراطي” وليس العلماني. اي أن السؤال يجب أن يكون على الشكل التالي: ” هل يقبل النظام الديمقراطي بان يكون الاسلام مصدر اساسي للتشريع في حال أرادت الاغلبية ذلك بالسبل الديمقراطيه؟”
هذا السؤال مهم جداً لأنه يرتبط بإحدى سلبيات الأنظمة الديمقراطية وهي ظاهرة “استبداد الأغلبية” التي سأتحدث عنها هنا.
ظهر هذا المصطلح مع نشوء الأنظمة الديمقراطية قبل أكثر من 200 سنة. فمن المعروف أن اضطهاد الأقليات كان شائعاً في الكثير من النظم الديكتاتورية وحمل أشكالاً مختلفة. اضطهاد النازيين لليهود (ديني) والروس للقوقاز (أثني) والأتراك للأكراد (عرقي) وغيرها الكثير من الأمثلة.
لكن هل يمكن أن يحدث مثل هذا الاضطهاد في ظل الأنظمة الديمقراطية؟ الجواب هو: “نعم”
استبداد الأغلبية، ديمقراطياً، يظهر حين تتخذ الأغلبية الرابحة للانتخابات قوانيناً تضع مصلحتها فوق مصلحة الأقليات أو حتى فوق عدد من الأفراد من عامة الشعب. وبذلك تشبه هذه القوانين أشكال اضطهاد الأقليات الذي مورس في ظل الأنظمة الديكتاتورية. وغالباً ما يكون الضحية مجموعة مكروهة (من هذه الأقليات) على أساس ديني أو عرقي أو أثني أو غيرها.
والحقيقة أن أغلب الأنظمة الديمقراطية عانت من هذه المشكلة. وربما أكبر مثال على ذلك اضطهاد السود في امريكا عبر القرنين الأولين من وجودها. في البداية كان الدستور الأمريكي يبرر هذا الاضطهاد، حيث نصّ بشكل واضح أن العبد يمثل “ثلاثة أخماس” الأفراد الآخرين. وحتى حين تحرر السود من العبودية وتغير الدستور، استمر السود يعانون من الاضطهاد بسبب السياسات المحلية للولايات وخاصة الجنوبية.
لم تتوقف هذه المشكلة على اضطهاد الأقليات العرقية والدينية والأثنية. بل تجاوزتها إلى اضطهاد مكونات صغيرة خاصة من المجتمع كالفقراء أو المرضى العقليين أو المثليين أو الغجر أو من يحملون أفكاراً سياسية معينة.
الديمقراطية بحسب التعريف هي “حكم الشعب نفسه لنفسه”. لكن ما المقصود من كلمة “الشعب”؟ هل يعقل أن تعني كلمة الشعب فقط أولئك الذين فازوا بالانتخابات؟ وماذا عن الذين خسروا الانتخابات؟
لهذا ظهر مصطلح “حقوق الأقلية” والذي أصبح مرادفاً لمصطلح “حكم الأغلبية”. وكما تعطي الديمقراطية حق الحكم للأغلبية فهي ايضاً يجب أن تضمن حقوق الأقلية من أن تساء معاملتها من قبل الأغلبية.
فكما أن الأغلبية وصلت إلى الحكم عن طريق الانتخابات، يجب أن تعطى الفرصة للأقلية بأن تصبح أغلبية في الانتخابات التالية. ومن هنا جاءت حقوق حرية الترشح والانتخاب والتعبير عن الراي وحق التجمع. وإلا أصبحت الأغلبية قوة ديكتاتورية.
ثم أن الديمقراطية لا تعني أن كل شيء يجب أن يخضع للاستفتاء أو الانتخاب. مثلاً من غير المعقول أن يجري استفتاء لعامة الناس لتحديد إذا ما كان يجب قتل كل مهاجر إلى أوروبا. هذا غير منطقي. إذاً، هناك حد أدنى لحقوق كل انسان يجب ان يحترمه الدستور والذي يحفظ حقوق كل سكان البلد بصرف النظر عن انتماءاتهم. وهذه الحقوق لا تكون عرضة للاستفتاء والاقتراع.
كما يجب الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لمنع التدخلات في شؤون بعضها البعض لأسباب سياسية. مهمة القضاء العادل هو حماية حقوق كل فرد من سلطة أو استبداد الأغلبية السياسية.
لهذا وُضعت لائحة حقوق الانسان (الفرد أو المواطن) التي دخلت الدستورين الفرنسي والأمريكي بعد نجاح ثورتيهما. كما تبنت الأمم المتحدة لائحة حقوق الانسان وحقوق الأقليات التي تضمن لكل أقلية في اي مجتمع حرية صيانة وحماية ثقافتها ودينها ولغتها.
ويعتبر الانسان الفرد هو اصغر أقلية يجب أن تحترم حقوقها. ومن ضمن هذه الحقوق ضمان الحريات الشخصية والدينية والسياسية، والمساواة الكاملة مع جميع سكان البلد.
إذا للإجابة على التساؤل في أول البوست. حماية حقوق الانسان (ومن بينها الأقليات) والمساواة الكاملة هي مبادئ دستورية أساسية ويجب أن تسبق إقامة اي انتخابات في ظل اي نظام ديمقراطي جديد في سوريا.

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured