الوحدة في التعددية!

February 17, 2018
By

نبيهة  حنا :

في البداية بعد ولادة الدولة السورية في عشرينات القرن الماضي تعززت العلاقات بين مكونات الشعب السوري على صعيد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لفترة قصيرة جدا وبفعل عوامل ومؤثرات عديدة ومختلفة في ظل الرابط الوطني السوري , هذه العلاقات التهبت وتقيحت بعد ذلك بفعل الاتجاهات السياسية التي ولدت مع ولادة الدولة السورية ….مع ولادة الدولة السورية أو قبل ذلك ببعض السنين ولد اتجاه قومي واتجاه اسلامي سياسي , وبعد ولادة الاتجاه القومي والاتجاه الاسلامي السياسي بدأ انتهاج سياسات التمييز والاضطهاد والتنكر للحقوق مما قاد وبسرعة الى احباط متزايد لمنهجية تكريس مفهوم الوحدة في التعددية وتحوله الى منهجية لاوحدة مع التعددية , هذه المنهجية التي ترفض الوحدة في التعددية لازالت قائمة لهده اللحظة , ومن نتائجها كان التشظي والتجزأة والانقسامات التي تطورت الى خلافات وبالتالي ألى أزمة عميقة قادت الى حروب دمرت البلاد وأوصلتها الى حد الاندثار.

بدأت حالة الاندثار مع صدور الدستور من عام ١٩٥٠ الذي أكد على عروبة سوريا وشعبها , وبالتالي انعكس ذلك على كل سياسات الدولة وتوجهاتها ,سياسات اتصفت بالغربة عن الواقع السوري والروح السورية لصالح واقع افتراضي عربي , تاهت سوريا في اللخبطة العربية ولم يعد من الممكن فك الارتباط بين سوريا وواقع التوهم العربي الافتراضي , في عام 1958 قامت الجمهورية العربية السورية والتي عمرت حتى عام 1961 والتي منعت أي تظاهر لوجود التعددية والتباين الثقافي , الذي تجلى على سبيل المثال بمنع التحدث باللغة الكردية ثم محاربة الاتجاه القومي السوري الذي بدأ قبل ذلك بعقد من الزمن والذي كانت مقدمته الحكم يوم ٨-٧-١٩٤٩ على أنطون سعادة بالموت رميا بالرصاص وتنفيذ الحكم قبل شروق شمس ذلك اليوم.

مارست حكومة الانفصال من عام ١٩٦١ استمرارية الاعتداء على فئات من الشعب السوري وانتزعت من عشرات الآلاف من الأكراد جنسيتهم وبالتالي حرمانهم من حقوقهم , والبعث الذي أتى عام ١٩٦٣ استمر في ممارسة العنصرية فقام بتنفيذ مشروع الحزام العربي الذي تم بواسطته انتزاع الأراضي من الأكراد واعطائها للعرب في ريف حلب والرقة وذلك على طول شريط حدودي بطول ٣٥٠كم وعمق ٢٠ كم , دستور ١٩٧٣ اختزل البلاد بالعروبة والعروبة في البعث والبعث في العائلة والعاائلة ببيت الأسد , انتقال السلطة الى الوريث عام ٢٠٠٠ لم يغير الا الى الأسوء , عام ٢٠٠٤ كانت هناك مجزرة في ملعب كرة القدنم في القامشلي , وفي عام ٢٠٠٨ صدر مرسوم تشريعي بخصوص تملك الأراضي عللى الشريط الحدودي , ثم جاءت ثورة ٢٠١١ التي كانت ثورة المصارحة والصراحة من قبل النظام الذي أراد انتزاع الجنسية من الانسان السوري واعطاء سوريا لمن يدافع عنها حسب منطق السلطة يعني الدفاع عن سوريا الدفاع عن السلطة الأسدية وخاصة عن الأسد لأن سوريا هي سوريا الأسد .

لم يتثن للمعارضة التي نشطت عام ٢٠١١ لعدة أشهر أن تعلن عن تصور حضاري منصف بخصوص الأكراد , والفصائل التي ولدت بعد عام ٢٠١٢ لم تكن ثورة ولا علاقة لها بمفهوم الثورىة وما يعرف عنها لايميزها عن النظام الأسدي, هذه الفصائل كانت ولا تزال أسيرة عقليّة الإنكار والإلغاء وعدم الاعتراف بالتعدّد والتّنوع والخصوصيّة , اضافة الى كونها ممثلا دمويا للطائفية في خطابها وتفاعلاتها مع الغير.

تمثل التعددية ويمثل التنوع حقيقة التربة الخصبة والطبيعية للابداع والتطور والاثراء الانساني , ثم أن التعددية والتنوع هم من طبيعة البشر والبشرية منذ أن وجدت, وحتى ضمن الطائفة هناك تعددية وضمن الحزب وضمن العائلة , والقضاء على التعددية غير ممكن عمليا وممكن تلفيقا حيث يدعي الناس قسرا بأهم يتبنون أفكار القائد الملهم أو الأحكام الوحدانية لمذهب معين تحت تأثير ارهاب السوط والساطور ,اسلاميا كم هو عدد الفرق الاسلامية والتي تتنافس لتكون احداهم ناجية .
الانتماء الوطني هو الجامع بين عموم ابناء وفئات الشعب ومن طبيعة الشعب أن يكون متنوع , ومن طبيعة الانسان أن يسعى الى البقاء وكل محاولة لتحويل البشر الى نوع من المعلبات المتشابهة هو اعتداء على الطبيعة البشرية, كل فئة أو حزب أو منظومة أو غير ذلك تريد اعتماد فكرها وأحكامها منهجا للآخرين قسرا هي فئة تريد تدمير الآخرين , الديكتاتوريات السياسية والدينية والفئات التي تعتبر نفسها وأفكارها مقدسة ولا ترضى عنها بديلا هي فئات قاتلة للحياة

Tags: , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • بيض صنائعنا ..الخ

    قبل أربعة  أيام    قتل  على الأقل 170 مواطن بالرصاص والمدفعية والدبابات والطيران والقنص  ,  وبعد ذلك  كل يوم أكثر من مئة من المواطنين . لاحداد  عليهم , ولاخجل من […]

  • الكنيسة والموقف السياسي

    لاتخطئ ايها القارئ!, الأم أغنس  مريم الصليب لاترتدي خوذة عسكرية , وماتراه على رأسها ليس خوذة  عسكرية , وانما منديل السترة والحشمة  , فنائبة  مريم العذراء تحولت  الى مراسلة عسكرية […]

  • المشرق تحت الانتداب الأميركي!

    بقلم:نصري الصايغ أخيراً، استجابت أميركا. قررت أن «تنقذ» العرب من «داعش». حشدت تحالفاً دولياً، منتقى من «الحلفاء» العرب والأجانب، وبالتعاون مع دول فاعلة من خارج سرب التحالف، إيران نموذجاً. أخيراً، […]

  • بوتين السوري , وبشار الروسي..الكانيبالية !

    بقلم :جورج بنا من يسمع كلام الرئيس الروسي  المناوب*  , يظن  على أن المتكلم هو الرئيس السوري  الوارث, والقصة هي  حول أكل لحم البشر , حيث حذر  رجل مخابرات  السوفييت […]

  • جردة حساب سورية: كيف تشكّل المستنقع؟

      بقلم :فاتح جاموس لآن، بعد ما يقرب سنتين ونصف سنة على اندلاع الأزمة السورية، يجب علينا أن نتوقف للقيام بجردة حساب لهذه الأشهر الطويلة الدامية، والمرشحة للاستمرار من دون […]