ولماذا   لانذكر  المسيحية  السياسية ؟

January 14, 2018
By

فاتح بيطار:

بمناسبة تطرق    أحد  الأصدقاء  على  صفحة سيريانو  الى موضوع  المسيحية  السياسية , استحضرت  صورة  رأيتها  صدفة قبل   سنة  تقريبا , صورة  تجمع بين السيد المسيح والعلم السوري  اضافة الى حمامة سلام , هذه الصورة  التي  تجمع  العناصر  الثلاثة  دفعتني  الى التفكير باشكالية  حضور الدين  في السياسة ,  ناشر الصورة التي تجمع  السيد  المسيح مع العلم والحمامة جنبا الى جنب انطلق   حسب  تقديري  من   احترامه شعوريا للعناصر الثلاثة  , لاشعوريا قد يكون هناك  وعي بقابلية التآخي بين  الدين المتسلل  الى معاقل  السياسة  وبين هذه السياسة  , فاللاشعور يتمظهر   احيانا بالشعور والوعي الطائفي  يتمركز  بمعظمه في اللاشعور, أما طائفية الوعي  فتتمركز في الشعور   الخاضع  الى   أحكام السياسة , حصيلة الجمع بين ماترسب في اللاشعور وبين ما تمظهر في الشعور  أي السياسة ينتج  مفهوما يسمى  المذهب  السياسي  بترجماته المختلفة  كالمارونية السياسية والشيعية السياسية والسنية  السياسية  ,ولما  لانذكر المسيحية السياسية  أيضا ؟

الصورة  كانت معبرة جدا بما يخص المذهبية السياسية  . المذهب الذي هو السيد المسيح  , جنبا الى جنب مع  العلم الذي هو رمز سياسي , تقصدهم  حمامة السلام كرمز للخير , الصورة تعبر  أيضا عن عامل قسري  فهناك من  يريد  من  المسيح   أن يكون  غير  ماهو  عليه ,اذ أن المسيح لم يكن يوما من الأيام الألف التي  صنع بها المسيحية سياسي  بل كان هو من قال  “اعطو ما لقيصر لقيصر  وما لله لله” بقي في حياته القصيرة على الدوام  رافضا  للعمل السياسي على الأرض , انه  المعلن عن  أن مملكته ليست على الأرض وانما في السماء , وبالرغم من ذلك  تم زجه  بالسياسة  ..أمرا اعتبره نوعا من القسر !,  المسيح  لم يكن رجل دولة  ولا قائدا عاما للقوات المسلحة  ولم  يرسل جيوشه الى اسبانيا والهند  ولم يكن عنده بيت مال  ولم يكن  بخدمته   خالد ابن الوليد  أو القعقاع  أو  عمر ابن العاص ,ووضعه الى جانب رمز سياسي  هو بمثابة  تبشير  بأن المسيحية يمكن أن تكون سياسية  ويمكن أن يكون هناك مسيحية  سياسية  الى جانب  الاسلام السياسي….لكن  انتبهوا !!! فبعض الاسلام  تحول الى اسلام سياسي لأنه يملك مشروعا سياسيا  ,  وأين هو  المشروع السياسي المسيحي ؟؟.

لايوجد مشروع سياسي مسيحي   في  الشرق , لذلك لاتوجد مسيحية سياسية باستثناء  المارونية  السياسية  التي  انتهت  بالطائف  , وقد كان  لأخطاء  رجال الدين المسيحي في القرون الوسطى الأوروبية  عواقب  وخيمة لانهم مارسوا  السياسة في اطار مايمكن تسميته المسيحية السياسية  بالرغم من  عدم تطرق   المسيحية  لأمور  الحياة  المدنية كما فعل الاسلام, للاسلام  السياسي مشروع  تبخرت  وسائل  تنفيذه ولم يبق منه الا هدف الوصول الى كرسي الحكم , وماذا بعد الوصول الى كرسي الحكم  ؟ كيف سيتم الحكم في عالم اليوم ؟ وكيف يمكن النجاح  بوسائل لا تستقيم مع  أوضاع الحياة في هذا العصر … أمرهم كأمر  من لايجيد السباحة , ويريد بالرغم من  ذلك عبور المتوسط  سباحة  ..مصيره الغرق  ومصير الاسلام السياسي الغرق  وقد يغرقنا معه ..الاسلام السياسي انتحار  مجاني !!!

بطبيعته التأخرية  وطبيعته الوحدانية الديكتاتورية يقف الاسلام السياسي عائقا  أمام نفسه , كذلك أمام  التقدم الاقتصادي  والسياسي والتأقلم   مع الاختلاف والتعددية , انه قاهر الحريات والديموقبراطية والعلم والموضوعية وسيد من خرج من التاريخ ومن المسار الحضاري ومن منهجية العقلانية , المذهبية السياسية  هي  التي تدفع البشر للارتماء  في مطب الفكر الاسطوري والغيبي الاتكالي القدري ..كل ذلك لايسمح بانشاء دولة ناجحة بوسائل  غيبية في عالم متعولم  وعلماني.

مصير  المسيحية  ومصير   المجتمع   تحت غطاء  مسيحية  سياسية  سيكون  شبيها لمصير  الاسلام  والمجتمع  تحت  غطاء   اسلام  سياسي , بالنتيجة  ان خلق مسيحية  سياسية  سيكون  احدى   أدوات  دمار  للمسيحية  وللمجتمع , فهي تحول فكر الانسان المسيحي من حالة السمو الى حالة الانحطاط و الفناء ,والاسلام  السياسي  لم  يكن   أقل  من مدمر   لسمو  الانتماء  الوطني الذي  تشوه وتقزم  الى   انتماء  طائفي .

بالرغم من  وجود  فروق  واضحة جدا  بين  اهتمام  الاسلام  بأمر تنظيم  الحياة   الدنيا   والتجاهل  المسيحي  شبه  التام   لأمور  تنظيم  الحياة  الدنيا   , فقد تمكن  الكليروس  المسيحي من  خلق مسيحية  سياسية   في القرون  الوسطى  الأوروبية   شبيهة  بالاسلام  السياسي لهذا العصر   , فوجود    أطر  لتنظيم  الحياة  الدنيا في  الاسلام  لايمثل  تبريرا لاستحضار  هذه  الأطر  الى الحاضر   ,فمن اللاشيئ  صنع كليروس    أوروبا   أمر  تنظيم   الحياة   الدنيا  ونصب  نفسه   مشرفا  على    هذا التنظيم  , أي  أن  الأمر كان  اختلاقا لحالة   تمكن  الكليروس من خلالها  ممارسة  الهيمنة ,   أمر  الكليروس  الاسلامي  والاسلام  السياسي   في هذا العصر  لايختلف بشيئ  عن    أمر  الكليروس  والمسيحية  السياسية  في  العصور  الغابرة ,

 

Tags: , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • قاسم سليماني ينهي «سورية الأسد»

    بقلم :عمر قدور: كان مخططاً للأسطورة أن تكتمل، فقائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني يبدو كأنه للتو أنهى انقلابه بواسطة حوثيي اليمن، وأخبار الإدارة الأميركية تشير إلى قرب الحملة البرية […]

  • هل تستحق سوريا كل هذا الفشل ؟

    لاتستحق سوريا كل هذا , ولا يستحق أي مجتمع مايحدث في سوريا , وعلى ألاخص ماحدث في الخمسين سنة السابقة , والبرهان على ذلك واضح , اذ  لايعرف أي مجتمع […]

  • قيس الهلالي,القاشوش وعلي فرزات ..الردة والحد !

    تحطيم يد على فرزات على يد مختطفيه أيقظ ذكريات عدة  ..منها القديم  الذي نسيناه  مثل  اذابة يد الصحفي الشهير سليم اللوزي بالحامض , لكي لايكتب , وقطع لسانه  لكي لايتكلم […]

  • ماذا يراقب المراقبون ؟

    رسميا   يجب فهم مهمة المراقبين  على أنها مراقبة تنفيذ البنود الأربعة   التي جري التوقيع عليها  من الجامعة العربية  ومن الحكومة السورية, في حين  تفهم الحكومة السورية  الأمر بشكل […]

  • أدافع عن سوريا؟ الى كل سوري!

     لماذا أدافع عن سوريا؟     واهم من يظن أن كل من يدافع عن سوريا يعشق النظام فيها ويعتبره نظاماً مثالياً، ويؤمن بأحقية الدكتور بشار الأسد في أن يكون رئيساً للبلد […]