الدولة بين أخلاق السياسة وأخلاق الفرد !

January 26, 2018
By

فاتح  البيطار:

للم تعرف الحياة البشرية بشكل عام أكثر من الدفاع المستميت عن سيطرة الأخلاق على السياسية بدأ من أفلاطون وحتى لوك وكانت , لم يقتنع المدافعون عن سيطرة الأخلاق على السياسة بفكرة وجود ناظم للقضايا الخاصة وهو الأخلاق , وناظم للقضايا العامة وهي السياسة .. الأخلاق تنطلق من الفرد , والسياسة تأتي من الخارج وتدمج الفرد في “خصوصية” عامة , انهزام مفهوم سيطرة الأخلاق على السياسة جاء في القرن السابع عشر , ومنذ القرن السابع عشر وحتى الآن تحولت السياسة الى الأهم اجتماعيا , والأخلاق والدين الى الأهم شخصيا …
للسياسة عمق اجتماعي , يقابله عمق شخصي للدين والأخلاق , لكل من الأخلاق والسياسة مصادر وماهيات مختلفة , وعن المنهجية يمكن القول بأن السياسة هي فاعل جماعي وهي التي تصنع أخلاقها الخاصة بها , وما تدني المستوى الأخلاقي الجماعي في شعوبنا الا انعكاس لتدني المستوى السياسي , الأخلاق الفردية ليست ضمانا لسياسة فاعلة وفعالة.
لايمكن تطبيق القواعد الأخلاقية المتداولة بين الأفراد على العلاقات بين الدول والشعوب , فالمعايير الأخلاقية تختلف من شعب لآخر والزام شعب أو دولة بالمعايير الأخلاقية لشعب أو دولة ليس الا نوعا من الاستعماروالهيمنة الثقافية, كل الدول متفقة على احترام قواعد الأخلاق والالتزام بالسلم ورفض الحرب,الا أن تبرير الحروب لايتم بالأخلاق , وانما بالمصلحة العليا للدولة التي تتجاوز في أهميتها أهمية الأخلاق , فالسياسة تخضع لأحكام المصلحة العليا , وعلى السياسة مراعاة الظروف التي تفرضها المصلحة العليا التي تمثل “الهدف” من صنع السياسة , السياسة تتجاوز الأخلاق وتتجاوز الشرعي أي الاقناع وتلجأ أحيانا الى العنف والقوة والحرب , ولا يعرف التاريخ سياسة تعمل خارج نطاق المصلحة الذاتية قديما وحديثا ,الضعيف والغير أخلاقي أحيانا هو الذي يصر على استجداء الحماية من الأخلاق …
باختصارلاتخضع قرارات السياسة الخارجية الى منظومة الأخلاق ,فالأخلاق أصلا هي نتاج للسياسة ونتاج لحقيقة سوسيولوجية خاصة,وفي هذا الإطار وعلى الصعيد الخارجي، فإن كل الدول متفقة على السير نظريا على نهج القواعد الأخلاقية وعلى إدانة الحرب ,ولا توجد دولة لم تقم بتبرير حروبها أمام الضمير العالمي، فالسياسة باعتبارها فنا لوضع القوانين والإجراءات الملائمة للوصول إلى الأهداف المتوخاة تستخدم مجموعة من الوسائل الشرعية وغير الشرعية، فإلى جانب الشرعية والإقناع هناك القوة والعنف والحيلة والكذب… والاستعمال الواسع لمثل هذه الطرق اللاأخلاقية لم ترفضه الشعوب سواء القديمة أو الحديثة، وأكثر من ذلك فحتى الديمقراطيات الغربية التي تعتبر نفسها نموذج القيم والقانون تقبل بهذه الطرق وتلجأ إليها بالاعتماد على مراعاة المصالح الخاصة بالدولة , التي تعمل خارج القواعد والقوانين العامة. إن التصرف اللاأخلاقي للدول ثابت من الثوابت، سواء في السلم أو الحرب، ذلك أن مصالح الدولة غالبا ما يتم الدفاع عنها بالطرق المرفوضة من طرف الأخلاق الفردية.
الأخلاق مسألة خصوصية تنطلق من الفرد، أما القيم التي تحدد أخلاق مجموعة فهي جماعية ، الأولى مطلقة ولا تقبل أي خرق أو انتهاك، في حين تعد الأخلاق الجماعية نسبية ومتغيرة. أما السياسة فهي نظام مفروض من خارج الفرد على مجموع الأفراد, للسياسة عمق وبعد جماعي منتج لقواعد اجتماعية مرتكزة على ضمائر فردية ,الطابع الجماعي للسياسة يعطيها فعالية اجتماعية لا يمكن للأخلاق الفردية اعطائها, قرار الحرب هو قرار حكومة منتخبة من الأكثرية (هذا في حال الديموقراطيات ), وفي هذه الحالة تقف أخلاق الفرد أزاء حالة الحرب أما مؤيدة أو معارضة ,هنا لايمكن للحكومة اتخاذ قرار يعتمد على أخلاق الفرد المتباينة وحتى المتناقضة , لذا تتنصل السياسة من الأخلاق الفردية وتعتمد على المصلحة العامة والعليا في اتخاذ القرار , مقارنة مع الديكتاتوريات يمكن القول على أن الديكتاتورية اكثر تأثرا بالأخلاق الفردية من الديموقراطية , ففي الديكتاتورية هناك مصلحة عليا تتمثل بمصلحة الديكتاتور , وقرار الحرب هنا ليس “سياسي” وانما شخصي “أخلاقي” , وليس لقرار الحرب هنا عمق وبعد جماعي وانما بعد وعمق شخصي , صحة أو خطأ قرار الحرب يعتمد أخلاقيات الديكتاتور الفرد , ولما كانت أخلاقيات الديكتاتور في معظم الحالات أو في كل الحالات سيئة , لذلك سيكون قرار الحرب سسيئ .
وهناك فروق كبيرة بين بين أخلاق “القناعة ” وبين أخلاق” المسؤولية , والسياسة “مسؤولية” بالدرجة الأولى , لا يمكن للسياسي تبرير فشله بمبرر الأخلاق ولا نجاحاته بسبب الأخلاق .

Tags: , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • النظام السوري يتوسل التحالف مع شياطين المؤامرة الكونية

    بقلم :فيصل القاسم  ما أن خرج الشاب السوري الأعزل إلى الشوارع للمطالبة بقليل من أوكسجين الحرية والكرامة الذي حرم النظام السوريين منه لحوالي نصف قرن من الزمان، حتى راح الإعلام […]

  • حين خرج الثوّار لصيد الحاكم الهوويّ!

    فتحي المسكيني: كرتون الحاكم الهووي ….! ما أجمل هذه الشعوب، وهي تأخذ بكل جسارة في حلم لطالما رأته في يقظتها المتقطعة منذ قرن! وما أحقر الحكام الهوويين الذين أضحكوا علينا […]

  • خنق حرية الكلمة في إيران…في الصمت تكمن جرثومة الموت

    قنطرة: خنق الحرية للفنان يوسف عبدلكي …! أصبحت الكتابة في إيران أمرا مستحيلا تقريبا، وبات التاريخ الإيراني حافلا باضطهاد الكُتّاب وتصفيتهم. والمفارقة أن إيران ترغب في أن تكون ضيف الشرف […]

  • الخطاب الذي سيصنع التاريخ !!!!!

    الخطاب الذي ألقاه الرئيس السوري قبل أيام  طويل جدا  , ولا أدري ان كان أطول من خطابه  الثالث بتاريخ 20-6-2011 على نفس المدرج الجامعي أو أقصر  , واذا  استلزم الخطاب […]

  • يوم أمس !

    ضرب الأمس رقما قياسيا في انتاج الموت  , أخبار عن 343 قتيل , منهم حوالي 100 قتيل في قرية الذيابية /ريف دمشق , وهم اصلا مهاجرين من الجولان , ثم  […]