بين الاتحاد والوحدة

 نبيهة حنا :

انطلاقا  من كون القومية العربية بمعظمها ثقافة , والوحدة العربية بمعظمها سياسة , فمفهوم القومية مستقل عن مفهوم الوحدوية , وذلك بالرغم من محاولة البعض دمج هذه المفاهيم مع بعضها البعض , مما قاد البعض الى اعتبار مهمة الوحدة هي تلبية رغبات القومية , أو أن مهمة الوحدة حصرا اثبات صحة الفكر القومي , وما هي الفائدة من اثبات صحة الفكر القومي , عندما تتحول الوحدة الاعتباطية الى مشروع انقسام أو مشروع استعمار أو استغلال ؟؟
من أهم مسببات فشل الوحدة السورية -المصرية غياب الوعي الديموقراطي عند الأطراف المشاركة , وهذا الغياب كان بشكل رئيسي عند الجانب المصري , لقد تقدمت مصر آنذاك على سوريا في ممارسة تأليه الشخص , لقد خرجت سوريا من مرحلة رائدة ديموقراطيا بين عام ١٩٥٤ وعام ١٩٥٨ , بينما ارتمت مصر في أحضان ثقافة عبادة الشخص , وهذا الشخص كان البكباشي جمال عبد الناصر , الذي كان في ذلك الوقت مراهقا سياسيا , لذلك تمكن بعض العسكر السوري بدون علم الحكومة آنذاك من أقناع ناصر بصحة مشروع الوحدة الاندماجية, حرص هؤلاء انصب على محاولة الحفاظ على مواقعهم التي تجاوزت رتبهم العسكرية , اتجهت فترة مابين ١٩٥٤ و١٩٥٨ باتجاه منع تمادي العسكر وحصر السلطة المدنية بالمدنيين , مما لم يرق لهم , ومما قادهم الى فكرة تغيير السلطة عن طريق اعطاء السلطة لعبد الناصر في اطار الوحدة , خاب أملهم بعد الوحدة , اذ خسرروا كل شيئ وجاء عبد الناصر بعسكر مصري مارس عليهم كل أصناف الاذلال , ذهبوا وذهبت أحلامهم معهم .
لم تكن الناصرية غريزيا ديموقراطية , بل كانت ولاديا ديكتاتورية , فعبد الناصر لم يجد في محاوات الضباط السوريين أي شائبة ولم يسأل عن صلاحياتهم ومن وكلهم بأداء مهمة الاقناع , لأن هذه الأسئلة تقع خارج اطار تفكيره السياسي الذي كان في تلك الأيام لايزال بكباشيا , وبنفس الاسلوب تعامل عبد الناصر مع القطر الشمالي الذي تحول دون مقدمات الى ذيل للقطر الحنوبي , القطر الجنوبي وناصر تحولوا بين ليلة وضحاها الى بلد استعماري ورئاسة استعمارية , فقد نقل ناصر كل اجهزة الادارة السورية الى مصر وأرسل الى سوريا المخابرات والسراج والمخبرين , يقال بأنه كان على نائب عبد الناصر الذي كان على ما أتذكر السوري أكرم الحوراني أن ينتظر ساعات كل يوم ولعدة أيام لكي يستطيع مقابلة عبد الناصر !.
العبرة من كل ذلك هي التأكيد بأن ثقافة الديكتاتورية المتواجدة في القطر قبل الاتحاد أو الوحدة , تبقى متحكمة بقواعد التعامل بين الأقطار التي توحدت , عنجهية عبد الناصر تجاه المصريين تمددت لتشمل السوريين أيضا , وهذه العنجهية كانت من أهم أسباب الانفصال الذي وقع قبل نهاية سنة الوحدة الرابعة,
ملخص القول , يترافق مشروع التوحد بالكثير من العقبات والتحديات , ولحالة القطر قبل التوحد أهمية قصوى , فان كان الأمر توحد أو اتحاد يجب أن يكون القطر قبل الاتحاد مبنيا على أسس ديموقراطية حضارية وممارسا لثقافة الاعتراف بالآخرين , التعامل مع الآخرين ديكتاتوريا واقصاء هو المؤشر الأكيد على حتمية تفتت البنية الوحدوية التي تمت صناعتها ارتجاليا واعتباطيا وبشكل غير مدروس وغير علمي .
الحاضن الرئيسي للفكر التوحيدي العربي أو بالأحرى فكر توحيد سوريا ومصر كان الفكر القومي , وذلك بالرغم من كون الفكر القومي غير مؤهل للقيام بهذه المهمة السياسية , ولما كانت العنصرية هي من أحد معالم الفكر القومي بشكل عام , لذلك فانه من غير المتوقع أن يتم تعامل الاقطار مع بعضها البعض ديموقراطيا لا عنصريا , لقد شتت الفكر القومي العربي سوريا عن طريق استفزازه للقوميات الأخرى مثلا القومية الكردية ومحاولته الهيمنة عليها لابل تعريبها , وذات الفكر القومي العنصري الاقصائي سيدمر كل وحدة مستقبلية. ,
يعزى نجاح مشروع الاتحاد الأوروبي للعديد من الأسباب , ومن أهم هذه الاسباب كان القضاء على الفكري القومي لكل من دول الاتحاد الأوروبي ,وبالرغم من ذلك فان هدف الأوروبيين ليست الوحدة اندماجيا وانما الاتحاد لمصلحة الجميع , الاتحاد ممكن بين العديد من الشعوب والعديد من القوميات والعديد من اللغات , ولالزوم في الاتحاد للتاريخ المشترك ولا للعادات والتقاليد المشتركة وانما فقط , المصلحة العليا لكل من الدول الاتحادية , فألمانيا داخليا اتحادية ولا يتكلم أحد عن الأمة الألمانية ولا عن القومية الألمانية ولا عن العادات والتقاليد , وألمانيا خارجيا في أوروبا اتحادية وليست موحدة اندماجيا مع فرنسا أو اسبانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *