حائط المبكى السوري !

November 10, 2017
By

نبيهة حنا:

مجمل سياق الحياة اليومية في سوريا هو مدعاة لممارسة النحيب والبكائيات , أصلا يجب أن يبدأ النحيب والبكاء كل يوم من الصباح الى المساء , فلا يوجد ولم يوجد في سوريا مايبعث على الفرح والراحة , حياة كلها شقاء وعذاب وامتهان للكرامة وللحرية وسلب للارادة وفقر متزايد ومستقبل كالح السواد , وعن الحاضر وكارثيته فحدث ولا حرج , المحظوظ هو من يستطيع النزوح واللجوء وحتى التطفل على مجتمعات أخرى أصبح فضيلة , لم تترك كتائب الأسد والفصائل الاسلامية للبلاد أي جاذبية عقلانية , حب الوطن أصبح نوعا من القسرالنفسي , واحترام الوطن أصبح نوعا اللاموضوعية , وخيانة الوطن أصبحت واجبا كما نصح محمد الماغوط ..الوطن الذي لايحترم المواطن جديرا بالخيانة !!, وطننا أصبح جديرا بالخيانة …يا للمهزلة والسخرية !!.

لقد تدهورت القيم وانحطت الأخلاق وأصبح الفساد مرشدا وقانونا , الفاسد شاطر والنظيف غبي , وكل ذلك ليس بالجديد ..

على أي حال لايوجد في سوريا قتلا يمكن القول عنه على أنه محق , كل قتيل هو قتيل غير ضروري , وبالرغم من ذلك تم يوميا تقتيل المئات من الناس أاطفالا وشبابا وشيوخا رجالا ونساء , وليس من الغريب أن يمر هذا المجتمع المريض مرور الكرام على مجازر عديدة ,على الرغم من عدم وجود مجزرة أسوء من مجزرة أخرى , الا انه يوجد ضحايا أفضل من ضحايا …. بنظر بعض العلويين أن تقتل علويا فهذا عمل ارهابي , أن تقتل سنيا فهذا عمل وطني, وبنظر بعض السنة ان تقتل سنيا فهذا عمل ارهابي , وأن تقتل علويا فهذا عمل وطني !.

التباكي يستعمل الرموز, وقضية العلوي والسني والدرزي ..الخ ممثلة لقضية كل سوري , أأسف هنا للالتباس , اذ لم يعد هناك “سوري” , هناك العلوي والمسيحي والسني والشيعي , أما” السوري” فقد انقرض ولم يعد له وجود .. وهل نأسف على ذلك ؟ وماذا تخسر الانسانية بانقراض الجنس السوري ؟ تصوروا العالم بدون” السوري ” وقارنوه بالعالم مع “السوري” , ايهما أفضل ؟ .

البكائيات أصبحت نوعا من الموضة , فهناك من يندب حظه لعدم وجود من يبكي عليه , وهناك من يقول على أن المسيحي لايحظى بنصيبه من التباكي, مقتل الانسان في هذه البلاد ان كان مسيحيا أو غير ذلك هو من ضمن البرنامج اليومي , الا أن االتضامن مع المسيحيين سطحي واعلامي ودعائي وحتى فولوكلوري في معظمه ,مثلا توزيع صورة بائسة لمسلح يؤدي التحية لتمثال السيدة العذراء , أما التضامن مع الدروز فهو سياسي وحقيقي وعميق وعملي ومع السني كذلك , ولا توجد ضرورة للحديث عن التضامن مع العلويين ,هناك من يسأل لماذا هذه الفوارق

من السهل ادراك بعض الفوارق , فالمجتمع السوري أصبح بعد جهد جهيد بذلته الأسديةبالشراكة مع الأصولية الاسلامية مجتمع طوائف وملل , هناك الطائفة العلوية بمشاريعها وأولها الهيمنة القسرية بحد السيف , وهناك الطائفة السنية بمشروع الغلبة أنهم أكثرية فمن حقهم أن يحلوا محل العلويين ..الخ , الا انه لاتوجد “طائفة” مسيحية وبالتالي لاتوجد طائفية مسيحية , االانتماء الى دين معين لايعني الانتماء الى طائفة , فالطائفة تكوينا وبنية طائفية , فتكوين الطائفة يعتمد على وجود “مشروع” (كما قال أدونيس بحق) , والمشروع هو الذي يقود الى “التراص” بين أفراد مذهب معين وبالتالي الى تكوين طائفة , والمثل الموضح لهذا الأمر هي العلوية السياسية , فالطائفة العلوية متراصة وتجمع اليساري واليميني والناصري والبعثي والمؤمن والملحد تحت مظلتها العلوية المذهبية , ومشروعها واضح وجلي , انها تريد الهيمنة كطائفة وليس كأفراد والعلوي هو من رتبة ااجتماعية ووظيفية معينة لأنه فرد من أفراد الطائفة , وليس لأنه علوي فقط ,وما ينطبق على العلوية السياسية ينطبق تماما على السنية السياسية دون أي فرق .

المسيحي هو أولا ذلك البعثي أو الشيوعي أو السوري القومي أو …أو , الا أنه لايجلس تحت مظلة “طائفة” لأنه لاوجود لهذه الطائفة المسيحية التي تتميز بالتراص بين اعضائها وتتميز بكونها ” كطائقة” ذات مشروع خاص بالطائفة , لايوجد “مشروع” مسيحي في سوريا وبالتالي يتميز المسيحيين بكونهم لاطائفيين وبالتالي فانهم يختلفون عن بعض أفراد الطائفة العلوية والسنة اختلافا جذريا , انهم شيوعيين أو سورين قوميين أو ..اولا , بينما بعض أفراد الطائفة العلوية والسنية هم علويون وسنة أولا ويمكن القول وأخيرا .

للما كان المجتمع السوري قد أصبح تجمع طوائف وملل , فلا ادراك لوجود المسيحي ولا تمثيل له في الديباجة الشعبية الطائفية , انه نكرة لأنه ليس له طائفة تمثله , انه هامشي ولا حصة له في حبكة المحاصصة , لأن الحصة هي للطائفة التي لها وجود , ومن حظه , أن لايوجد من يبكي عليه , انه هامشي وفاقد الأهميةو فالأهمية هي للطوائف , انه منبوذ في مجتمع لايفهمه وبدوره لايفهم هذا المجتمع , أقول “منبوذ” عمدا , ولو لم يكن منبوذا لما تدنت نسبة المسيحيين في سوريا بشكل تدريجي من ٢٠٪ بعد الاستقلال الى أقل من ٣٪ في الفترة الأخيرة , وكل التناقص حدث ليس في الخمسينات , وانما بدأ بشكل ملحوظ بعد عام ١٩٧٠ , أي بعد بدايات تأسيس مايسمى العلوية السياسية , هاجر المسيحيون الى مجتمعات تفهمهم ويفهموها , وبالتالي يفرحني عدم التباكي عليهم , ويفرحني أكثر قيام معظمهم بالنزوح والهجرة , البلاد ليست بلادهم واستضافتهم من قبل بشار وأبو بكر لاتليق الا بالكلاب , وما هو الدافع لكي يبقى الانسان “كلبا” عند بشار أو عند أبو بكر

هناك فوارق أخرى لربما واهية , هناك من يتحدث عن الجغرافياالطائفية ويزعم بأنه ليس للبعض جغرايا طائفية, ليس للمسيحيين في سوريا جغرافية الدروز في أو جغرافية العلويين , فمن منطلق جغرافي مثلا يمكن التفكير بدولة علوية, ولكن هل يمكن التفكير بدولة مسيحية مع أنه يقال “رسميا” على أن عدد العلويين مواز تقريبا لعدد المسيحيين, وهل يمكن التفكير بدولة “ارمنية” في سوريا مع العلم على أن نسبة الأرمن ٤٪ من السكان وتساوي تقريبا نسبة الدروز تقريبا , ومع العلم على أنه للأرمن جغرافية حلبية لاتقل عن الجغرافية العلوية او الدرزية ونسبة الدروز ليست أعلى من نسبة الأرمن , ألا يفكر البعض الآن بدولة درزية كما يفكرون بدولة علوية .

نصح أحد الناصحين المسيحيين بأن يغاروا من الدروز والعلويين وكأن القوقعة في طائفة هي مدعاة للغيرة , أما أنا فأنصح المسيحيين بأن لايمارسوا ” الغيرة” بل أن يمارسوا “المغادرة ” , وهم يفعلون ذلك بشكل تلقائي بنصيحة وبدون نصيحة

Tags: , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • حلة الاعلام الجديدة وحالته مع الوزير الزعبي

     منذ عشرات السنين  ونحن نسمع , ومع كل وزير  أو زير  اعلام جديد, نفس الرواية الخشبية الاسطوانية , أولا  تصعيد وتصعيب الحالة ..” سورية تمر بظروف صعبة وتتعرض لحرب حقيقية […]

  • المجلس الوطني من أداة للانتفاضة إلى أداة لفرملتها

    المجلس الوطني من أداة للانتفاضة إلى أداة لفرملتها محمد ديبو سيمر وقت طويل، حتى يدرك السوريون أنّ المجلس الوطني السوري كان إحدى العصي التي فرملت انتفاضتهم، رغم أنّه بدا كأنّه […]

  • الديموقراطية والحرية والحوار في ظل الشبيحة والبلطجية

    الجيش يتحرك باتجاه معرة النعمان , بعد ان تحولت مدينة جسر الشغور بفضل استعمال لغة الرصاص من قبل البلطجية والشبيحة الى مدينة أشباح  , …هلل مهابيل الشعب السوري وصحفه للنصر […]

  • (الليل) ومقعد «الجزيرة» علـى طـاولــة الحـــوار الـوطنـي!

    رياض متقلون – مدرس جامعي. نقلا عن جريدة الوطن السورية رغم النزيف المستمر لسورية دماً ودموعاً من مواطنيها واستنزافها اقتصادياً ومراهنة على عنصر الزمن الذي قد لا يأتي بما يفرج […]

  • أخجحل بسوريتي !!

    مي  أسعد: “ومَن يَقتل الشعب والجيش في سورية، ومَن يختطف الأحياء وساكنيها، ويجعل منهم رهائن ودروعاً بشرية واستحكامات عسكرية وقواعد انطلاق للهجوم على الدولة السورية، هم نوعان: عصابات إرهابية ظلامية […]