الاستعمار الداخلي والاندثار!

September 30, 2017
By

 ربامنصور , سمير صادق :

 لم تكن ولادة العراق  كدولة قبل  حوالي مئة عام  نتيجة   لاستفتاء  , وانما  نتيجة  لظروف  معظمها خارجي ,  بالرغم  من ذلك  تطور  العراقيون  مع  دولتهم   الوليدة  وطوروها  الى   أن  قضي  عليها  كما قضي  على شقيقتها  السورية, خلال  القرن الماضي  لم ينعم  أهل العراق بما فيهم الأكراد  بحكم  وفر  لهم   التقدم  وانما   بحكم وحكومات   عملت  على    تخريب  مشروع   الدولة  العراقية بالتدريج  الى  أن  وصلت  هذه  الدولة  الى   ماوصلت  اليه  من خراب  وشرذمة  وتفكك  بحيث  لم يعد من الممكن الحديث   عن دولة العراق  , وانما  عراق ماقبل  الدولة .
مهما كانت    نتائج  انفصال  كردستان  السياسية   والاجتماعية  على العراق وعلى  المنطقة  بشكل كامل  ومهما  بلغت  مايسميه  القوميون  والاسلاميون “وحدة سيادة  العراق”من  أهمية  ,فالأهم  من كل  ذلك  هي  دلالات  الاستفتاء  الأخير  من وجهة نظر   أخلاقية  تاريخية ,  فأكثر  من ٩٠٪  من  المواطنين   العراقيين  في   أقليم  عراقي  اسمه كردستان   لايريدون    العراق  كوطن  لهم ,  وأغلب الظن   أن   استفتاء مماثل  في  الجنوب  الشيعي  وفي  الوسط  السني  ستكون  نتائجهم مماثلة  لنتنائج  الاستفتاء  في  أقليم كردستان .
الواقع الذي  لمسناه في  كردستان  والذي  يمكن  التنبؤ  به  في  بقية    أجزاء   العراق   يدل  بأن  العراقيون  لايريدون  دولة  تجمعهم  اسمها  العراق  , وانما يريدون  كيانات   على  أساس  قومي  أو مذهبي  , وهذا يعني  بأن  العراق  أصلا مقسم   وما ينقصه  هو  الاعلان عنه   ,    وهذا  ماتم  في  اقليم كردستان , تاريخيا  يمكن  القول  بأنن  ولادة  دولة  كردستان  هي  الولادة  الأنظف  مقارنة  بولادة   كامل  العراق  , ثم  أن  الفكر  القومي  الذي يجمع  الأكراد   قابل  لانشاء  دولة  مقارنة مع  الفكر   الطائفي  الذي   يجمع  الشيعة  ويجمع  السنة ,  للفكر  القومي  بخصوص  الدولة  مشاكله  التي  يمكن حلها  ,  الفكر  الديني  بخصوص  الدولة  هو بحد ذاته مشكلة  عملاقة  تمنع  قيام دولة , لايستقيم  الفكر  الديني  بما  يخص   صناعة  الدول  الا  مع  الكيانات  التي  تسمى   حالة  ماقبل  الدولة .
الوضع  العراقي   ليس كما  يردح  الاسلاميون والقوميون  نتيجة  لمؤامرة دنيئة  , وانما نتيجة  واقعية  ومنطقية  لمسار عراقي  داخلي  سمته الأساسية  فشل  جميع  العراقيين  في  بناء مجتمعا عراقيا  يؤسس  لدولة  وطنيةة عراقية   سيان  ان كانت مركزية  أو فيدرالية , وبما  يخص    أهل  العراق  ومسؤوليته  عن  الفشل  يجب  القول  بأن  أكثر الفشل   هو  من نصيب  الأكثرية  العربية .
 حامل راية  العروبة كان  البعث في  النصف الثاني من القرن الماضي , هذا  البعث  قام  بتسييس  العروبة  وفرضها  بالقوة  على   بقية العراقيين  الغير عرب  في  منطقة   لاينتمي  جميع سكانها  الى  العنصر  العربي ,  واذا  كان  الانفصال    شرا  يجب    ادنته ورفضه  , فالأحرى بنا   ادانة  العروبيين  أولا  لأنهم  أول  من  قسم  العراق  عنصريا ,  وأول  من   مارس  استعمار  العراق  داخليا ,  استعمارهم  كان  بدائيا  استغلاليا  وحشيا  ومؤسسا  على  امتداد “نسلي فخذي” مطاطي  لقحطان  وعدنان , العراق  الذي  اراده  البعث  دولة  هو  عراق   يقوم على  مفاهيم  الطغيان والاستعمار  الداخلي والعنصرية  , استعمار فحلي  بعثي  يريد جعل  البقية   الباقية من  العراقيين  كعبيد  أو  كحريم   أو سبايا  في  قصورهم,  ديدن  البعث كان  التعريب  القسري  ولم يفكر  البعث  بالفضاء العام  الذي يجب   ان يتسع  للجميع   افقيا وانما  بفضاء عام  يمركز  شاقوليا  عناصر  الشعب  فوق  بعضهم  البعض  ,  وجه  السحارة  كان   البعث  العروبي  وما  تحته  ليس  بجودته   أو مقامه , اريد هنا   التنويه  الى نقطة قد تكون مهمة  ,  لقد كان عمر البعث  عندما  استلم  الحكم في  العراق ٢٠ سنة  أو أقل   , وعندما  قاد البعث  سوريا  الى الوحدة الاعتباطية مع مصر كان عمره ١٠  سنوات  تقربيا   , وفي كلا  الحالتين  كان  البعث  في  عمر  المراهقة  , ولا  عجب     من  فشل  المراهق  عندما  يتباين حجم  مسؤوليته  مع مقدرته.,
هل  يمكن  تصور  اندثار  العراق  واندثار سوريا  بالشكل  الذي نلمسه  الآن فيما  لو بقي  العراق  مستعمرة بريطانية  وسوريا  مستعمرة  فرنسية  ,  الجواب   هو النفي  القطعي  , لقد  قيل  بأن  الاستعمار  الداخلي   أسوء بكثير  من الاستعمار  الخارجي  , هل من شك بذلك ؟
سمير صادق , ربا منصور

Tags: , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • عنف الثورة بين الشرعية والانحراف: سوريا وضرورة التصحيح

    by: Huda Zein من  أخذ بالسيف , فبالسيف يؤخذ: السيد المسيح إن تشظي المعارضة السياسية والمعارضة المسلحة في سوريا أمام نظام مازال رغم كل التصدعات والضربات القاسية التي أصابته متماسكاً […]

  • الثورة السورية والصراع السنّي – العلوي

    بقلم :اياد شربجي الجزء الأول : العلويون وسيناريو الصعود قد لا يختلف اثنان اليوم على أن مسار الثورة السورية قد انحرف بقوة عما بدأ به في آذار 2011 سواء من […]

  • مصر في المقدمة , وسوريا في المؤخرة *

    بقلم :عماد بربر قيل اليوم على أن  القوات المسلحة المصرية   انحازت  الى الشعب المصري  , وفي هذه المقولة بعض الانتقاص  من القوات المسلحة , انها “لاتنحاز ” وانما  من واجبها […]

  • الجيوستراتيجيا مشروحة لفلان الحمصي

      الجيوستراتيجيا مشروحة لفلان الحمصي نهلة الشهال – نقلا عن السفير. …فيا فلان، سيذكر التاريخ أن الحرب الباردة عادت الى المسرح الدولي في السنوات الاولى من الألفية الثالثة، وكانت معركة […]

  • As Syria Free Falls…A Return to the Basics,Part 1

    Lest we forget, or forget why, it has become important to consult the basics regarding the Syrian uprising. This might very well be the best time for such a review. […]