يوميات لاجئ

August 12, 2017
By


رأفت سعد

لقد أصابني ذلك الرضى الذي يظهر على شيخ عجوز ، وهو يجلس على كرسيه النقال في ظهيرة مشرقة ، لقد استحال كل شيء إلى نفسه ذابت الصبغيات والثقافة والتحلي بالصبر والرغبة باكرآ ، إنه الوعي كف عن التخبط بعد عدة نكسات ومحاولات فاشلة لترجمة العدم لتنتصر الطبيعة ، ويمسي الإنسان كائن كبقية الكائنات لا أكثر ولا أقل ، إن العيش هنا في أوروبا يمثل منعطف وخيار قاسي لابد من عقد القران معه والمضي قدمآ فيه لكي يعيدك طفلا جديد ، حيث أناك وأحلامك مباحة وقلقك مباح وتقدمك في السن وأنت تجتر التبغ والأيام في غرفتك مباح ، فتكبر في بيتك والكون في الخارج يتضخم ، فتشعر أنك مطعون بالوحدة والكآبة ، ومحكوم بالتكرار والعادة السرية …

هل الله موجود وراء هذا الكون الفسيح ؟؟؟
قرأت هذا السؤال على عجل ، وشعرت أن الأجابة مرهونة برمي طفولتك وصورك العتيقة في بئر جاف ، أرتد الصدى سريعآ شعرت بخواء في معدتي ، لكنه ليس الجوع أنه غثيان طفيف من ذلك العراك الفكري ومن المحاولات اللاهثة للكلب السلوقي لاستحضار الله والطاقة والطبيعة في الإنسان وتخزينها في وعيه بواسطة المفاهيم واللفة ، وعندما يحل المساء تفر أرواح الحاضرين ضجرآ من ذلك الوعي وتستعصي الحياة وتصاب بوباء الخمول الذهني..
ليس مهمآ أبدآ وجود أحد أو غيابه ، إن كان الله أو الزمن أو الباص ، طالما أني عاقد روحي على جسدي ومصاب بالرضى والسلام …
خرجت من البيت فارغآ تمامآ من الحب والمفاهيم والأفكار ، موظف قديم في الحياة ، استهل البيوت بنظراتي البلهاء وحسي الجمالي المريض ، وأحس بوقع خطواني وأحتكاك لحمي ببعضه ، كأني أمثل مسرحية بالأبيض والأسود ..
رن هاتفي الجوال إنه صديقي الكردي جوان ، أكن له الكثير من الود والتعاطف فهو مهزوم مثلي لكنه لا يعرف أو لا يقوى على ذلك …
إن اللغة العربية جميلة أو ربما أنا مرنت روحي عليها جيدا للتعبير عن عواطفي المختزلة والشحيحة ، فجملة لا يقوى على ذلك تختزل فكرة مفادها: لا يستطيع مواجهه نفسه ، أو وعيه متصلب وغير قابل للتمدد والاتساع …
أخبرني إنه قريب من الكامب الذي أسكن فيه ، ودعاني للقاء ….
وافقت سريعآ وهذا عيب فيي لا أستطيع تجاوزه ، اتخذ قررات سريعة ثم ادفع الثمن ، عن طريق شعور مضني بالذنب أو الغباء لانعدام بديهيتي ، أو لبعد المسافة بين رغباتي وبين ذهنيتي التي تورطني بقرارات بلهاء …
إن صديقي جوان مصاب بلعنة الضجر ، وعندما يتملكه يصبح طفلآ يتصف بعسر النطق والكتابة ، ربما لو تكلم بلغته الكردية خفف ذلك من وطأة الضجر على روحه ، لكنه ضيف ثقيل على اللغة العربية ، تراه بعد عدة جمل يعتصر ، وتغادر روحه إلى غرفته ، ليبق جسده يؤنس الفراغ بحركات عشوائية ، تحمل الكثير من العجز والطفولة المتأخرة ..
أكتافه ضيقة تنبأ بعدم ضجوج فيزيولوجي ويديه صغيرتان ، لقد اتفق تمامآ مع الهزيمة ويتمنى إن يصبح نوع من السنونو ، فلم يكن ناجحآ أو سعيدآ في مجالسة البشر ، فهو لم يخبرني يومآ عند صديق يستمتع بالمجالسة معه ، وحتى أنا يجالسني بدافع الاحترام فهو مازال يحتفظ بالقيم التربوية القديمة ، التي كان أباؤنا يزرعوها في رأسنا ، على أهمية الصداقة مع المثقفين والمتعلمين والحضاريين ، وبوصفي دارس للفلسفة ومحب للثقافة ، انجذب نحوي ، لكني لم أستطع أن أريح روحه من ذلك الضجر العنيف…
إن مخيلته تفرغ سريعآ ، ونتيجة لعدم نضوجه الجسدي والفيزيولوحي ، حيث أن عضويته حافظت على طفولتها فهو مختصر ونحيف كالسنجاب، كل ذلك جعله يصاب بالبرد سريعآ ، وعند أول نسمة هواء ، يضجر من خوفه ومن استمرار بقائه على هذه الحالة دون مأوى ، فيسارع معتذرآ للعودة للبيت ..
أنه مؤدب ومسكين مثلي ، وعندما يمرض او يصاب بعلة او ذبحة صدرية تنكمش روحه ، ويشعر إن الله لم يكن عادلآ ، ويستسلم سريعآ للشيخوخة ويطلق النكات السمجة ، ظنآ منه أنه يتكيف وينسجم ، وعندما يغادر ويصعد في الحافلة تنتابه ذكرى مخزية عن ما سيكون عليه حاله ، فيغرق بالحزن والكآبة بضراوة كالسقوط السحيق ، وتضيق أكتافه ويرتخي قلبه ، ويمسك هاتفه النقال ، أملا برسالة من حبيبته المتشكية دائمآ ، فلا يجد يجيب على بعض الأسئلة المرسلة إليه من أصدقائه الاعتباطيين الاكراد وغيرهم ، فيبقى عشر دقائق للوصول للبيت ، والغد مليئ بالواجبات والترقب …
فيبدأ الضجر مرة أخرى ينهش قلبه ، كشفرة تدخل في القلب ، تفادر رغبه في الأكل سريعآ ، رغم أنه كان منذ عشر دقائق جائع ، ويبدأ يركز على حل لوجوده بالتدخين والاستحمام ، وبعض أحلام اليقظة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • كيف بَنت عائلة الأسد دولة المخابرات في سورية؟

     بقلم:رضوان زيادة *** تقسم أجهزة المخابرات  السورية إلى المخابرات العامة (أمن الدولة) والتي تتبع رسمياً لوزارة الداخلية، والأمن السياسي الذي هو دائرة من دوائر وزارة الداخلية، والمخابرات العسكرية ومخابرات القوى […]

  • الاسلام  السياسي  وثنائية  التخوين  والتكفير!

    ممدوح بيطار: مرض التكفير  هو  من  أهم  أمراض  المجتمعات  الاسلامية   ,التكفير  يعيق  قيام  الدولة  بوظائفها الطبيعية وتمنع  تطبيق  مبدأ  المساواة  اجتماعيا  , حيث تعتبر  فئة  نفسها  متفوقة  على الأخرى  بعنصر  […]

  • السقوط المتبادل بين الحل الأمني والحل الجهادي والسلسلة المعيبة!

    لقد اعجبني  في مقال  عن سقوط السلطة وسقوط المعارضة موضوع الربط  بين هذين الطرفين ,  وبشكل عام  يمكن  القول ,على أن سقوط السلطة العسكرية (الحل الأمني)  يعني سقوط  المعارضة المعسكرة […]

  • لماذا لايمكن تقسيم سوريا؟

    لا يمكن بحال من الأحول استبعاد أن يكون الرئيس بشار السد وأسرته ومن معه من الحلقة الضيقة التي تصنع القرار قد فكروا بتقسيم سورية كحل أخير. وهم ربما فكروا بذلك […]

  • ماذا لو انتصر , وماذا لو لم ينتصر ؟

    بقلم :مروان أديب يوما ما  ستكون هناك نهاية  لهذه الحرب الشيطانية في سوريا , ولطالما  أعلن الأسد  رسميا افلاسه  السياسي , وعزمه على حل المشكلة عسكريا  , ثم اعلن صراحة […]