طبائع اسلامية !*

July 5, 2017
By

حسين عساف:


يضايقني إلى حد الاستفزاز أحياناً المقولة الإسلامواتية المشروخة التي مفادها أن حضارة الغرب ليست حضارة حقيقية لأنها تفتقد إلى البعد الأخلاقي و الإنساني و تقدم العناصر المادية الحسية على العناصر الروحانية الغيبية. 

في الواقع هذه النظرة الساذجة المتناقضة مع الحقيقة و الواقع لم تأتِ من لا شيء، وليست تماماً كذب محض و افتراء مع سبق الإصرار و الترصد. ففي اعتقادي هذه النظرة قائمة أساساً على فرضية خاطئة، وهي تعريف منظومة الأخلاق بحد ذاتها التي يرى أصحاب هذه النظرية أن الغرب يفتقدها. ففي نظرهم -ولو على المستوى اللاوعيي- الأخلاق و الفضيلة ترتبط ارتباطا عضوياً مع الإيمان، فتراهم يقولون في مدح أحد ما على سبيل المثال: ما شاء الله، فلان قلبه عامر بالإيمان، أو مع شعائر الإسلام فيقولون مثلا: فلان يقضي نهاره صائما وليله قائما. فتعتبر هذه أعلى درجة من درجات الأخلاق و الفضيلة التي يمكن أن يصبغها المجتمع على فرد ما.
لا حاجة لي لذكر أن هذا المنطق لا يستقيم البتة، فالمتأمل بشيء من الهدوء و الموضوعية بسهولة يجد أنه لا يوجد أي إثبات عقلي ولا مدلول منطقي يربط الأخلاق بالإيمان. لكن يكفي أن أدعو القارئ إلى التأمل برهة و التفكير بنموذج من معارفهم الشخصيين الذين يصرحون و يدّعون الفضيلة على أساس ديني، بينما واقعهم الأخلاقي الفعلي مزري جدا ومتدني إلى درجات قصوى، وأنا على ثقة أنه لن يكون عندهم مشكلة بالإتيان بعشرات النماذج.
تجربتي الشخصية- للأسف -أثبتت أن أغلب هؤلاء ليسوا على شيء أخلاقيا، لا يملكون شيء سوى الصراخ و الغضب و الكِبْر والتنطع و ازدراء الآخر و الفوقية و بعضهم حتى سلوكياً منحط، فتراه لا يفي بعهدٍ و لا يصدق بحديث ولا يشهد الحق في خصم، يغدر و يطعن و يفجر في الخصومة. بل إن أحدهم – و غيره كثر – أعرفه شخصيا وهو من رواد المسجد هنا و من شلة “المشايخ” وكان يملك محل تجاري صغير، كان قد ضُبط متلبساً يسرق من برنامج المساعدات الغذائية عن طريق الغش و التلاعب مع الزبائن الفقراء. و ربما أحل هذا لنفسه، دينيا أيضا، على اعتبار أنه يسرق من “كافر”.
ففي هذا يكمن الخلل، ومنه يبدأ الربط الخاطئ (mis-wiring ) بين الأخلاق ومداليلها، فيحدث ما يمكن وصفه بانهيار تام لمنظومة الأخلاق الاجتماعي عبر اختلال معاييرها و تشويه موازينها.
طبعاً، كما هو الحال في كل شيء آخر، لا يجوز التعميم ولا يصح، فثمة شريحة دينية مازالت تربط الأخلاق بمعايير و ضوابط صحيحة و صحية ولكن هذه الشريحة في اضمحلال متزايد.
لا أستطيع التحديد بدقة نقطة التحول الزمنية إلى هذه النظرة المختلة المدمرة، لكنني أعتقد أنه كان لطفرة ما يسمى بالصحوة الدينية و مواقع ودكاكين النت الإسلامية و الفضائيات المدعومة بترولياً الأثر الأكبر في هذا التحول.

  • العنوان بتصرف

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured