
مهاب منير
تتصاعد في كل أرجاء العالم حركات التحرر النسوية والأنثوية، والتي تطالب بإعطاء المرأة كافة حقوقها أسوة بالرجل، مما يسمح لها بالتحرر من سلطة الرجل وضمانا لأحقيتها بالوصول إلى كافة المراتب وغزوها لكافة المجالات.
عندما نقول في كل العالم فإننا نشمل طبعا منطقتنا العربية على اعتبار أن جميع النساء في عالمنا العربي مقتنعون ومتفقون وعازمون على الخروج عن سلطة الأب والأسرة والتحرر من القيود التي يفرضها المجتمع.
ممَّا لا شك فيه وجود اختلافات بين الرجل والمرأة، هذا الاختلاف الذي يبدأ من التركيب العضوي لجسدها وما يرافقه من تغييرات فيزيولوجية ونفسية مصاحبة لها، ولا يتوقف عند أي منعطف أو قرار ستتخذه المرأة في حياتها، والتي وبسبب ما سبق فهي ستبدأ نضجها ووعيها بسنوات أبكر من الرَّجل، فالمنعطفات والصعوبات
التي تواجهها المرأة في دورة حياتها قد لا يختبرها الرجل لو قدر له أن يعيش لجيلين أو ثلاثة.
فبدءاً من اختبارها لدورتها الشهرية الأولى والتي ستغير من طريقة تعامل الأسرة والمجتمع والأصدقاء معها بين ليلة وضحاها لتصبح فجأة ودون سابق إنذار امرأة! هذا الانقلاب الذي تختبره المرأة في وقت قصير جداً سيحدد، حسب طريقة تعامل المحيط، هويتها ربما لآخر أيام حياتها، في حين يختبر الرجل ذكورته بفترة زمنية أطول يرافقها متابعة حثيثة ومفاخرة وتشجيع من الوسط المحيط. يتبع دورتها الأولى طبعا دورات أخرى مع ما يرافقها من صعود وهبوط لهرمونات جسدها وانعكاسها على حالتها النفسية والمزاجية للتعلم شيئا فشيئا كيفية السيطرة على هذه التغييرات والتكيف معها وتطويعها لتحافظ على اتزانها أمام المجتمع.
أمَّا وبعد انطلاق الأنثى بعد بلوغها سن الرشد القانوني في أغلب دول العالم، أي فوق عمر الثامنة عشر، ستبدأ بملاحقة أحلامها وطموحاتها لتواجه مع تقدم الأيام حتمية الخيار بين الأمومة أو مواصلة المسيرة، هذا الخيار الذي يقبع مختبأ على طريق أي امرأة تريد متابعة مشوارها المهني والإبداعي. هو أمر محتوم ولا مفر منه كما لا مفر من الذنب المرافق لأي خيار لم تختره. فالعشب أكثر اخضراراً دوما في الجهة المقابلة.
فهي إن وضعت أمومتها جانبا تلبية لطموحها وإرضاءً لإبداعها ستبدأ بالندم عاجلاً أم آجلا على هذه التضحية، مخالفة غيرها ممن اخترن طريق الأمومة والحياة الزوجية.
طبعا وبالرُّغم من هذا الخيار ستظل المرأة بحاجة للعمل أضعافالرجل لتثبت نفسها في أي مجال تخوضه، فعليها أولاً أن تثبت نفسها بين أقرانها ليروها كشخص مبدع قادر على العطاء والنجاح بمعز ل عن جنسها. تقول الكاتبة التركية أليف شافاك: “الكُتَّاب الرجال يجيئون إلى الأذهان ككُتاب أولاً، ثمَّ كرجال. أمَّا الكاتبات، فإنهنَّ إناث أولاً، ومن ثمَّ كاتبات”.
وبعد تجاوزها لهذا المطب، وعندها فقط، ستبدأ من أين بدأ الرجل في إثبات إبداعه وتفوقه.
أما وإن اختارت حياة الأمومة والحياة الزوجية فلن تغفر لنفسها أبدا تضييعها لكل ما عملت لأجله وما كان يمكن أن يتحقق لو… و “لو” طبعا من عمل الشيطان. وإذا اختارت التوفيق بين الأمرين فإن الموضوع بحاجة لمعجزة من حيث توافر كل الشروط اللازمة للنجاح من مجتمع ومحيط وأسرة متفهمة ومتعاونة وداعمة.
هذا كله يختصره سماحة السيد حسن نصر الله الذي عبر في خطابه منذ أسابيع عن رأي المنظومة الدينية أينما وجدت، وطبعا يوافقه المسلمون السُّنة وإن كرهوا، في ترويجه للزواج المبكر والذي يُعلَّلُ ويُدافع عنه من قبل أتباع هذه المنطومة بأنَّه السبيل لتأمين الاستقرار الجنسي والنفسي للمرأة والرجل مما سيحافظ على المجتمع ويساهم في بناء الأسرة المثالية. هذه الأسرة المثالية هي الطريق للانتصار في نظر أي مجتمع ديني. فبالكثرة العددية تستطيع تأمين العامل البشري اللازم لأي استحقاق عسكري وجديدنا الاستحقاق الانتخابي، وهي وجهة نظر الاسلاميين الجديدة التي تقول بأنه وللسيطرة على الصندوق الانتخابي لا بد من أكثرية عددية طائفية تؤمنها، ولتحقيق هذه الغاية لا بد من المرور أولاً وآخراً من الرحم. رحم المرأة. فالحل إذن هو العمل على تهجينها وحجزها ضمن المنظومة الأسرية لتنشغل في تأمين الأعداد المطلوبة والقيام بالأعمال المنزلية حرصا على راحة محاربي ومقترعي المستقبل.
ما يثير القلق من كل مما سبق أنَّ أعداداً لا بأس بها وقد تشكل الغالبية من نساء عالمنا العربي تتوافق في أفكارها مع المنظومة الدينية، وإن لم تتوافق تكون قد وقعت بوعي أو بدون وعي في هذه اللعبة، لتبدأ منذ بلوغها بالبحث عن عريس الهنا والتحضير وابتداع الأساليب لجذبه وإغوائه كمن يتحضر للإمساك بفريسة ما.
فلا قواعد في الغابة للوصول للفريسة. وهنا العجب!… وهنا المصيبة!.
Post Views: 953