سوريا , سقوط العائلة !!

ياسر مرزوق:

قراءة لكتاب حسن صبرا , سوريا , سقوط العائلة  

 

“هؤلاء هم آل الأسد ومن معهم على الأقل نوع آخر مختلف عن السوريين الذين شاء قدرهم أن يسقطوا تحت سنابك وأسنان آل الأسد، كان الاستعمار الفرنسي أرحم، كان العثمانيون أكثر تقدماً، كان تيمور لنك أكثر مدنية، انظروا واقرأوا ماذا فعل حافظ الأسد بسوريا والسوريين “.

كتابنا اليوم سوريا: سقوط العائلة.. عودة الوطن، يؤكد ما ذكره الصحفي الأمريكي ” ديفيد دبليو ليش ” في كتابه “سقوط مملكة الأسد” بأن ما يجرى في سوريا يتطلب جيلاً كاملاً لفك خيوطه، فالعبرة في مصير أي ثورة بالنتائج، ولو نجا الأسد فسيخضع لقانون النهايات؛ إذ تم طي حقبة دولة المخابرات الأسدية إلى غير رجعة، ولو بتكلفة باهظة جداً.

يقدم الصحافي اللبناني حسن صبرا بطل نشر الفضائح من أمريكا إلى إيران إلى سورية، في كتابنا اليوم سرداً قصصياً لما جرى ويجري في سوريا، حيث يكشف الكثير من التفاصيل الدقيقة التي تخصّ الثورة السورية وظروف قيامها، ابتداءً من درعا مهد الثورة ليرسم صورة ” الحاكم بأمره ” في تلك المنطقة، عاطف نجيب ابن خالة الأسد الابن الذي كان هو وابن خال الأسد رامي مخلوف الوقود الذي أشعل ثورة الشعب السوري ضدّ عائلة الأسد، والتي انتشرت نيرانها في المحافظات والبلدات السورية، وانتهاءً بالأحداث الجارية على أكثر من صعيد دولي وإقليمي ومحلي.

” إن حافظ الأسد عندما بدأ يهيئ ابنه باسل ليرثه اختار عدداً من أقربائه ليشكلوا له نواة أمنية خاصة به ليواكب أجهزة الأمن التي تنمو في تلافيف نظام الأسد الأب، وهي أحد أساسيات حكمه، واختار عاطف نجيب ابن خالة بشار مسؤولاً عن الأمن السياسي في محافظة درعا، وكان شوكةً في حلق غازي كنعان يأمر وينهي عن قناعة كأن سوريا ملك لآل الأسد. فراح يؤسس الشركات التي كانت تشتري حاجيات الدولة، وكوّن مع رامي وحافظ مخلوف وآصف شوكت كبريات الشركات التي كانت تبيح لنفسها استملاك البلد”.

يقدم صبرا لكتابه قائلاً: ” كم يحمل بنو آدم من تناقضات في جيناتهم فيها خلايا للبكاء وأخرى للضحك، للقسوة والرحمة للحزن وللفرح، للقتل وللعطف، للحقد وللتسامح، للغباء وللذكاء للطمع وللقناعة للجموح وللطموح، كل هذا أثبته علماء النفس والاجتماع والتربية والأطباء. ما لم يستطع أحد تثبيته خلال ٤٢ سنة من حكم آل الأسد هو: كيف يمكن أن يكون هؤلاء الحكام في سوريا، من رئيس جمهورية وقادة أجهزة أمن وجيش وحزب وشبيحة هم الذين يمثلون بقية شعب سوريا، كيف ينتمي الجلادون والضحايا إلى شعب واحد، إذا كانت المسألة محلولة بكون البشر الذي خلقهم الله من طين وماء ليصبحوا آدميين، إذا كانت المسألة مشروحة في أن قابيل قتل شقيقه هابيل كأول جريمة منذ بدء الخليقة، وإذا كان حافظ الأسد على استعداد لقتل شقيقه رفعت في صراعهما على السلطة، فبشار ابن حافظ كان على استعداد لقتل مليون مواطن سوري من أجل أن يبقى في السلطة “.

الكتاب يتوجه إلى العالم أجمع وليس إلى السوريين فقط، يكشف حقائق غابت أو غيبت عن كثيرين، ويفضح أنظمة ومصالح الدول الكبرى بقدر ما يفضح النظام ورموزه وأعوانه من داخل الوطن وخارجه، كتبت فصوله من داخل الأحداث واستنطقت الكثير من شهود العيان وأبطال هذه الثورة ” مثقفيها وثوارها ” فجاء الكتاب مزيجاً بين السرد القصصي والشواهد التوثيقية، والتحليل السياسي، مع عرض لآراء وتصريحات ساسة وعسكريين، ويمكن اعتبار كل واحدٍ منهم شاهداً على عصر ” حافظ الأب – بشار الابن ” وما صاحب ذلك من تطورات.

يؤكّد الكاتب أنّ أحداث درعا هي الشرارة التي أنذرت باقتراب حريق ما، إلاّ أنّ اندلاع الثورة الحقيقية كان في دمشق. ويوضح حقيقة انعكاس الربيع العربي على مجرى الأحداث في سورية من خلال نصوص وشهادات، كما يعود في الثورة إلى أسبابها الرئيسية المرتبطة ببنيان نظام الأسد الأب، كاشفاً الكثير من التفاصيل الشخصية والعائلية لبعض رموز النظام، خصوصاً انّ قضية التوريث تُحتّم الدخول في شِرك العلاقات الداخلية للعائلة الحاكمة. ويُصوّر كيفية انتقال الحكم من الأب إلى ابنه بشّار، بعدما كان ابنه الراحل باسل هو من يحكم وبحضور والده أيضاً.

عن مشروع توريث باسل الأسد الذي أفشلته الأقدار يقول صبرا ” كان حافظ الأسد يجلس مع ابنه باسل بالساعات يحدثه في أمور السياسة والاستراتيجيات ويسلمه مفاتيح كل رجاله من مدنيين وعسكريين، حزبيين وسياسيين ويعطيه الاذن للتدخل في شؤون الدولة ليصل إلى تشكيل الحكومة، كان رئيس الوزراء محمود الزعبـي، يزور باسل في مكتبه إذ كان مقتنعاً أن باسل هو الرئيس القادم، وربما لهذا السبب تمسك به الأسد لأكثر من 10 سنوات رئيساً للوزارة، وقد سأل المؤلف أمين سر حزب البعث في لبنان عاصم قانصوه: ما سر تمسك الأسد بالزعبـي رئيساً بالرغم مما يقال بأنه موظف سني، فرد عليه بعبارته المشهورة ” الرئيس الأسد بحث عمن هو أسوأ من الزعبــي.. فلم يجد لذا تركه “.

ولعل أكثر ما يلفت النظر في قضية التوريث، خلاص حافظ الأسد من أحد أبرز رجالاته المخلصين له هو اللواء علي حيدر لمجرد أنه سخر من فكرة توريث الأسد الأب ابنه بشار الحكم، على الرغم من أن حيدر كان من الضباط الكبار الموالين للأب حافظ الأسد، وقد ترك ابن عشيرته صلاح جديد في الصراع معه عام 1970 وانحاز إلى حافظ الأسد.

يتألف الكتاب من خمسة عشر فصلاً تتعلق بالوضع السوري خلال الثورة الحاصلة وما قبلها، ومن عناوين فصوله: عملتها درعا، شام شيسكو، نقطة ضعف حافظ الأسد، علوية الجيش السوري، اغتيال كمال جنبلاط، الحريري الأب والأسد الأب، الوريث، الحريري الأب والأسد الابن، الشبيحة، السوريون القوميون يرثون البعث، مجلس الشعب في عهد بشار، الشيطان وتلميذه، بالإضافة إلى ملاحق.

ومن عناوين الملاحق:

هتافات السوريين ضد الأسد، قصص من دفتر الظلم، عفوك شعب سوريا العظيم، مجازر حافظ – رفعت، كامل الأسعد الرافض الأول لحافظ الأسد، المعارضة السورية تكشف ١٢٨ من مرتكبي الجرائم ومموليها.

أبرز فصول الكتاب تتحدث عن كيف أصبح الجيش السوري علويا بأغلبيته الساحقة بين الضباط والقيادات الأمنية رغم أن العلويين لا يمثلون أكثر من10 % من السكان الذين يمثل السنة فيهم نحو78%، وفصل خاص عن نقطة ضعف حافظ الأسد تجاه أولاده، وكيف تخلص الأسد من رفاقه البعثيين والعلويين، وظروف مقتل أحد مؤسسي حزب البعث صلاح البيطار وإعدام مؤسس البعث ميشيل عفلق.

ويؤكد صبرا أن العلويين لم يسلموا من التنكيل بهم على يد حافظ الأسد إذا شعر أنهم خطر على سلطته وهذا الحقد ورثه بشار عنه ايضاً، كما يتطرق إلى علاقة الضباط السوريين بجنودهم ووسائل كسر شخصياتهم وكراماتهم ومعاملتهم كالحيوانات متطرقاً إلى الأساليب الوحشية في قمع الثورة وبداية الانشقاق عن الجيش النظامي وتشكيل الجيش السوري الحر من ضباط وجنود رفضوا أوامر ضباطهم العلويين بقتل المتظاهرين.

تحت عنوان ” آخر الكلام.. أو أوّله ” يقول حسن صبرا:

كثيراً ما سمعت من أصدقاء سوريين معارضين في الخارج: إن حلم تحرير فلسطين من عصابات الصهاينة، أقرب منالاً من حلم تحرير سورية من حكم آل الأسد، بل إن شرط تحرير سورية يمر بتحرير فلسطين، فما من قوة تدعم هذه العصابة في بلادنا إلا عصابات الصهاينة، كان بعضهم يردّد تبريراً أو خجلاً أو واقعاً أننا نحن في الخارج هاربون، منفيون بإرادتنا لأن الشعار الأشهر والأكثر شمولاً بين كثيرين منّا: ألف مرة قتيل ولا مرة سجين في أقبية آل الأسد. فالتعذيب يميتك كل دقيقة بل وكل ساعة وكل يوم عشرات المرات وأنت السجين بلا تهمة، بلا محاكمة، بلا اسم، بلا أمد معروف.

وعندما ثارت درعا وكتب أطفالها على الجدران ” يا دكتور إجاك الدور”، ما تجرأ أحد على وصفها بالثورة وما فكّر أحد أن محمد البوعزيزي في تونس يمكن أن يمدّ ظله بل نوره بدل ناره إلى سورية.. لكن النور كالطير، كالأفكار لا حدود لآثارها.. وصلت سورية فقرأ السوريون حمزة الخطيب وإبراهيم القاشوش والجوابرة وحسين هرموش وعشرات الآلاف غيرهم.. هؤلاء جعلوا سورية حرّة.. بل مهدوا الطريق كي تكون فلسطين نفسها حرّة أيضاً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *