قيام الدولة العلوية ليس خيارا

August 16, 2015
By

خير الله خير الله :

خلاصة الخطاب الأخير لرئيس النظام السوري أنّه لا يزال لديه خيار الإنكفاء إلى الشاطئ السوري وأن يقيم دولة ذات امتداد في لبنان عاصمتها دمشق. هذا يفسّر إلى حدّ كبير التركيز المستمرّ منذ اندلاع الثورة السورية على حمص التي تقف عائقا دون ربط دمشق بالساحل السوري. كذلك، يفسّر التركيز على عرسال وضرورة إزالتها من الوجود نظرا إلى أنّها عقبة بين ربط دويلة «حزب الله» في البقاع اللبناني والمناطق المحيطة بدمشق، مثل القلمون، وصولا إلى حمص…ومنها إلى منطقة الساحل.

هذا الكلام عن الدولة العلوية، ذات الإمتداد اللبناني، تجاوزه الزمن، كما تجاوزته الأحداث، لا لشيء، سوى لأنّ الشرخ الطائفي والمذهبي في سوريا صار واقعا أليما بعدما عجز النظام عن فهم أنّه إنتهى منذ فترة طويلة. لم يستوعب النظام أنّ ايران لن تكون قادرة على إنقاذه، لا عبر خبرائها، ولا عبر ميلشياتها المذهبية العراقية واللبنانية والإفغانية، ولا حتّى عبر صفقات السلاح مع روسيا…ولا عبر الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. معروف أنّ خيار الدولة العلوية كان دائما مطروحا لدى الأسد الأب والأسد الإبن.

الباحث الأميركي جواشوا لانديس، المتزوّج من علوية، والذي عاش طويلا في سوريا يقول أنّ الجيش الذي أنشأه حافظ الأسد، والذي يسيطر عليه الضبّاط العلويون، إنّما أنشئ استعدادا للوصول إلى اللحظة الراهنة. الجيش تحت السيطرة العلويّة لا اكثر ولا أقلّ. كلّ الشعارات المستخدمة عن العروبة والبعث، بشعاراته الفارغة، وتحرير فلسطين ليست سوى غطاء لهذا الواقع.

ليس سرّا ما تحدّث عنه الملك عبدالله الثاني في إحدى مقابلته الصحافية عن الإنكفاء العسكري للعلويين في إتجاه الساحل عندما اقترب الجيش الإسرائيلي من دمشق في حرب العام 1973. كانت هناك دائما خطة بديلة لدى النظام الذي أقامه حافظ الأسد الذي سعى دائما إلى اكتساب شرعية على الصعيد السوري والعمل، في الوقت ذاته، على أن يكون الخيار العلوي، خيار حلف الأقلّيات، مطروحا وفي متناول اليد. كان مطلوبا في كلّ وقت المتاجرة بالفلسطينيين وقضيتهم بغية تغطية المشروع الأصلي للنظام، أي المشروع العلوي. كلّ ما يستطيع أن يفعله بشّار الأسد الآن، هو المساهمة في تفتيت سوريا. في النهاية، ما الذي يمكن أن يفعله بشّار في الساحل السوري حيث لا توجد مدينة كبيرة واحدة ذات أكثرية علويّة؟ لعلّ أخطر ما في الأمر أن الأسد الإبن يُستخدم حاليا، من حيث يدري أو لا يدري، في الإنتهاء من سوريا. سيحاول الإيرانيون إنقاذه. الكلفة بالنسبة إليهم كبيرة ماديا، علما أنّ هذه القدرة المالية لإيران ستزداد في حال رفع العقوبات عنها نتيجة توقيع الإتفاق النووي. لكنّ هذه القدرة تبقى محدودة من الناحية البشرية. عدد الإيرانيين الذين يُقتلون في سوريا قليل جدا. أين مشكلة ايران عندما يُقتل مئات الشبان اللبنانيين أو العراقيين أو الأفغان من أجل تحقيق ما تصبو إليه، أي دولة علوية تدور في فلكها؟ إنّه رهان يستأهل ما تدفعه ايران من مليارات من أجل بقاء سوريا جسرا إلى الداخل اللبناني…

لا يعكس الخطاب الأخير لبشّار الأسد سوى الحال النفسية لرجل معزول عن العالم وعن سوريا نفسها، يرفض الإعتراف بالواقع. يتجاهل إنّه على رأس نظام لا يمتلك أيّ شرعية من أي نوع كان. النظام مرفوض من شعبه أوّلا. هناك أكثرية سنّية في سوريا. امتلك حافظ الأسد ما يكفي من الدهاء للتعاطي مع الموضوع المذهبي بطريقة ذكّية. راهن أوّلا على شقّ السنّة بتفريقه بين سنّة الأرياف وسنّة المدن. قبل كلّ شيء، لم يتسلّم الأسد الأب رئاسة الجمهورية مباشرة بعد الإنقلاب الذي نفّذه في السادس عشر من تشرين الثاني ـ نوفمبر 1970، عيّن رئيسا موقتا يدعى أحمد الخطيب، كان مجرّد إستاذ مدرسة في الريف السوري. انصرف بعد ذلك إلى الصلاة في كلّ يوم جمعة في أحد المساجد السنّية في مناطق سورية مختلفة. أراد بكلّ بساطة توجيه رسالة فحواها أنّه مسلم وأنّ لا فارق بين السنّة والعلويين. انتظر ثلاثة أشهر كاملة كي يصبح رئيسا للجمهورية. عمل بعد ذلك، على الإستعانة بواجهات من سنّة الأرياف، هو الذي يكره أهل السنّة في المدن وقد اشرف شخصيا على استبعاد كلّ الضباط الكبار الذين ينتمون إلى مدن مثل دمشق وحمص وحماة وحلب. استخدم حكمت الشهابي وعيد الحليم خدام ومصطفى طلاس وشخصيات مثل محمود الزعبي وفاروق الشرع وغير هؤلاء، بصفة كونهم من سنّة الريف أو من مدن صغيرة. فدرعا هي من أكبر الحواضن الريفية السنّية للبعث القديم الذي استعان به حافظ الأسد في مشروعه السلطوي.

حقّق حافظ الأسد نجاحا كبيرا في المحافظة على نظامه بعدما عرف كيف يؤسس لحلف الأقليات المدعوم من سنّة الأرياف. هذا ما لم يحسنه بشّار الأسد الذي اعتقد أن العائلة أهمّ من الطائفة وأنّ شبكة العلاقات التي اقامتها العائلة، وهي شبكة قائمة على المصالح الإقتصادية التي بات الأقارب يحتكرونها، كافية لحماية النظام بطبعته الجديدة. كان التصرّف الأحمق في درعا في آذار ـ مارس 2011، الدليل الأوّل على أن بشار أخل بالتوازن الدقيق الذي أقامه والده وعمل على حمايته. هذا التوازن شمل أيضا اللعب على ايران. صحيح أن حافظ الأسد عمل على إقامة علاقة في العمق مع ايران، وهي علاقة ذات طابع مذهبي في العمق، إلّا أنّه عرف كيف يستخدم الورقة الإيرانية لإبتزاز العرب الآخرين، على رأسهم قادة الدول الخليجية.

كان هناك توازن يقوم عليه النظام السوري. في اساسه الحلف مع سنّة الريف. لم يكتف بشّار الأسد بضرب هذا التوازن، بل ذهب بعيدا في الإتكال على ايران وعلى ميليشيا «حزب الله» التي صارت جزءا من أمن النظام، خصوصا بعدما ملأت الفراغ الذي خلّفه الإنسحاب السوري من لبنان في نيسان ـ ابريل 2005. عاش النظام السوري أطول بكثير مما يجب. لم يكن نظاما طبيعيا في أيّ شكل أو مقياس. استفاد حافظ الأسد طويلا من البعثي الآخر صدّام حسين وحماقاته وغياب قدرته على التعاطي مع المعادلات الإقليمية والدولية. كان بين المستفيدين الأساسيين من مغامرة إحتلال الكويت قبل ربع قرن. الآن،لم تبق لدى النظام السوري سوى الورقة الإيرانية التي تراهن حاليا على خيار الدولة العلوية. مثل هذا الخيار يمكن أن يؤسس لحروب جديدة تستمر سنوات طويلة. كذلك يمكن أن يؤسس لتفتيت سوريا أكثر مما هي مفتّتة. لكنّه ليس خيارا قابلا للحياة، لا لشيء، سوى لأن ليس في الإمكان جعل السنّة أقلّية في أي بقعة من بقاع سوريا أو أي منطقة من مناطقها، حتّى لو كان هناك امتداد لبناني لهذه البقعة أو المنطقة

Tags: , , , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • الخازوق هو خازوق !!

    ماذا لوتجرأنا على منطقية الكلام , وقلنا, ان أكبر شبيه للأخونجي هو البعثي, هنا سينبري معظم البشر للاستنكار , قائلين , ان في هذا الكلام أشد المنكرات , وأرزل المقارنات […]

  • مفاوضات عبثية !

    بقلم:ميشيل كيلو رغم الشعور العالي بالمسؤولية الوطنية الذي تحلى به وفد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السياسية إلى مؤتمر جنيف. ورغم ما أبداه من تصميم على تنفيذ القرار 2118 الخاص […]

  • The Syrian Shabiha and Their State

           Even as the word shabiha emerged from Syria, to take its place in the languages of the world, the phenomenon to which it r referred was surfacing in […]

  • النهر إن حكى

    بقلم : الائتلاف  السوري لقوى المعارضة : توثيق مجزرة نهر “قويق” بحلب التي ارتكبها النظام بحق 220 ضحية inShare عادت الجرائم التي ارتكبتها قوات الأسد تظهر من جديد، وهذه المرة […]

  • لماذا يتم استهداف حزب الله؟

     بقلم :نبيهة حنا هذا ليس سؤالي   , وانما سؤال الدكتور عمر سبايلة (حزب الله) , وقد أورد الدكتور سبايلة عشرة نقاط  , هي حسب راية  الأسباب التي تجعل حزب […]