عندما يكون النباح الطائفي فلسفة ( أدونيس أنموذجاً )

July 9, 2015
By

أحمد أنيس الحسون:

تحدث وليد جنبلاط مؤخراً عن وقاحة أدونيس باعتباره مفكّراً قرداحياً لم يخرج عن الإطار الطائفي للنظام الأسدي، وأنا بدوري أقول للسيد جنبلاط لا تقلق وليد بك، فالشبيحة منذ أن سقط أدونيسهم عن عرش الحلم بنوبل طالبوا نظامهم المُكنّى بأبي شحاطة بأن يعوّض مفكّرهم بتيس أسدي تحت سقف الوطن من إنتاج سيريتل، باعتبار نوبل مشاركة بالمؤامرة على سوريا الأسد، نوبل التي شهدت كل وسائل الانبطاح الأدونيسي لنيلها، إلا أنه خرج من مسيرة نضال عقيم بتيس ( مُقورِن ) له قرون معقوفة تقدمة سيريتل.

 تعودنا كل فترة من الزمن أن يخرج علينا أدونيس بنفس الوجه الطائفي القبيح، ومن ذات الجحر الذي أوى إليه مع انطلاقة الثورة السورية، يفرز قيحه وحقده على الثورة السورية، وكالعادة يدخل من الباب الديني واصفاً إياها بالثورة المأسلمة المتطرفة،  وأدونيس ككاتب عهدناه يدّعي غير مايُبطن، وهو إشكالية لدى النقد الأدبي والفكري، وقد تناوله غير ناقد مظهراً رجعيته في حين أنه ادّعى التقدمية، وقد أشارت إليه العديد من الأصابع بوصفه يلعب بمفردات فلسفية مغلّفاً إياه بخيالات صوفية الشطحات وعميقة المبتغيات لا يستطيع القاريء العربي فهمها مالم يرتق إلى لغتها وفكرها حسب تصريحاته في غير موضع، وتميّزت مسيرته الحداثية بطرق كل الأبواب للحصول على جائزة نوبّل، وكانت الأبواب المتعلقة بالدين أكثر من غيرها، فلم تبق حادثة تتعلق بالشعائر الدينية – السنية على وجه الخصوص  –  إلا وأدلى فيها هذا الطائفي بدلوه مُظهراً طائفيته وحقده غير المبرر على الشعائر الدينية، حقد طائفي لا يمت بصلة لمن يدّعي المناداة بالحريات والديمقراطية، فيتحدث عن طائفيته وعدائه للفكر الديني بقالب فلسفي طائفي يناقض كلّ ما يدّعيه.

وكلما اقترب الحديث من تشبيح أدونيس يطيب لي المقام أن أتناوله، ليس فقط للحديث عن تشبيحه ونفاقه، فالثورة السورية كشفت وجهه الحقيقي الذي طالما تحدثنا عنه قبل الثورات العربية، وذلك  في مجال النقد الأدبي والفكري، وفي هذا المضمار تناوله العديد من الكتاب بوصفه أداة معطوبة تدعو إلى التحوّل وهي ثابتة  من حيث الهالة التقديسية للمشرع الأدونيسي واستحالة نقده أو تفكيكه، وكنت أنا ممن تناول رجعية أدونيس في قسم النقد الأدبي وذلك مجاراة للناقد السعودي الفذّ عبد الله الغذامي، وبالطبع أشارت أصابع جوقات المطبيلين لأدونيس لي ولغيري بأننا ننطح صخرة كبيرة لنوهنها، وسنكون خائنين لأننا نشكك ونستخفّ برب حداثتهم وبعل أفكارهم.

أدونيس لايريد أن يخسر موقعه الذي أوصلته إليه دكتاتوريات العرب والعروبة، وقد عزف على أوتار الأنظمة ذاتها، وكان المسوّغ الكبير بينهم هو التجديد والتقدم ونبذ التقوقع والإرهاب، ومع ارتفاع وتيرة الحديث عن الإرهاب الذي يضرب العالم والثورات العربية تنفّس أدونيس الصعداء وطرح أفكاره من جديد، الحداثة والحضارة والمدنية التي أفرغها على الأوراق الكئيبة عبر مسيرة طويلة من النضال #الحداثي_الرجعي. فقد بدأ الانقلاب على الرجعية بمفاهيم قومية حداثية، وهذا الانقلاب استخدم أسلحة من قلب الوجع العربي، أي لابد من انقلاب على الماضي والتسلح بنفس أسلحته وتاريخه كأداة فاعلة لحداثة ومدنية وتطور، ونامت الأجيال عقوداً من الزمن بفعل هذا المخدّر القومي الحداثي، واستفاقت مرة واحدة على أصوات الرجل المحترق  في تونس، وقامت الشعوب ضد مناضلي القومية ودعاتها ومنظّريها ليجدوا أنها ليست سوى كليشة ذات عنوان عريض تتشّعب تحتها حياة مليئة بالفوضى واللاإنسانية، وبمزيد من الخراب العقلي والثقافي في حين أن الكلّ موهومون بقفزة عربية على سبيل الثقافة والعقل والبناء والسياسة وما إلى ذلك من مصطلحات بتنا نشمئز من سماعها بسبب هذا الزخّ الإعلامي لها من مؤسسات الأنظمة الراعية للحداثة والقومية والمدنية على حد وصفهم.

القومية تنقلب على ما أسموها الراديكالية الإسلامية والحداثة تنقلب على الراديكالية الأدبية والثقافية، والرعيّة الاجتماعية تتنهد وتقول لا بأس ننتظر المزيد، أدونيس يضع دستوره ” الثابت والمتحول ” والقذافي يضع دستوره ” الكتاب الأخضر ” والقائد الخالد الأكثر خبثاً يضيف إلى دستور البعث إضافات فيضع منطلقات نظرية لحزب البعث أصبحت أكثر قداسة من الحزب ومن البعث بمعنييه الحقيقي والمجازي ومن الاشتراكية ومن العروبة، وانحصرت أعمال الجوقات من المطبّلين والمزمّرين في المغالاة بتقديس وترسيخ هذه المقدسات العقيمة.

وبدأت عملية التقديس لدساتير الانقلابيين المتنورين، والتقديس هو لازمة وطنية وثقافية وليس بالضرورة تمحيص أو نقد أو التفكّر في هذا المقدس، هو مقدّس وكفى والتفكير فيه بدعة وخيانة عظمى. تلك هي مدارس الدكتاتوريات، وأي انقلاب جزئي عليها يجب أن يكون من تكوينهم الشخصي والنظري، أي من ضمن إطار مؤسسة النظام المهيمن، كأدونيس – مثلاً – الذي ظهر على أنه معارض للأنظمة الدكتاتورية ومنها النظام السوري، فبدأ بمسيرة طويلة يمجّد فيها الحريات، فبارك الثورة الفرنسية الخمينية ضد الشاه، وبالحلف العالمي ضد صدام حسين، وندّد بالنظام السوري، ولكنه – طبعاً – معارضة وطنية تحت سقف الوطن كما يعبّر شبيحة النظام، وخلافهم هو جزئي عائلي بوصفه ينحدر من نفس المؤسسة الطائفية الضيقة  كالخلاف بين رفعت الأسد وبين حافظ، فأدونيس في عام 2008  يتحدث عن الحرية من قلب دمشق ومن إحدى مقاهي الشام في حي أبي رمانة وهو يشرب النرجيلة وحوله جمهور من الشباب المقدسين للمشروع الأدونيسي الطوباوي في أدواته ومقاصده، فأدونيس معارض ولكن لا بأس بقليل من التنباك في المقهى، أما معارض كبرهان غليون – على سبيل المثال لا الحصر – فالتنباك محرّم عليه تحت سقف الوطن، فهذا السقف لا يصلح لأي مفكر عربي إلا لمفكر ( علوي ) مثل أدونيس، هذا السقف لا يصلح إلا لمنطلقات نظرية وهمية كمنطلقات حافظ الأسد، أما المنطلقات العلمية والفكرية الواضحة الجلية كتلك التي يقدمها مفكر سوري كبرهان غليون أو غيره فهي خطر على الأمة والوحدة الوطنية وتهدد سقف الوطن بالانهيار، فهذا السقف لا يأوي تحته إلا أبناء الوطن، والوطن هنا بحسب الأنظمة الدكتاتورية هو الدكتاتور نفسه ، وأدونيس من عظام الرقبة والخلاف معه منزلي لا يعدو أكثر من اشتداد الجدال بين الأسرة العلوية الواحدة.

ندّد أدونيس لعقود بالثابت ودعا للمتحوّل، بل طال التحويل اسمه وحوّله إلى أدونيس ليؤسطر نفسه ويضع قدمه على درج البعولية والقداسة، وبارك ثورة الخميني على الأجنحة الفرنسية للطيران، وكفر بالعروبة وصرّح بأن الحضارة العربية في طور الاحتضار أو الانقراض وذلك في أمسية أدونيسية في كردستان العراق سنة 2009، وهاجم الدين الإسلامي بسبب وبغير سبب، فانضم إلى الثورة المندّدة بالحجاب في فرنسا مبرّراً أن الحجاب هو احتلال للثقافة الفرنسية ولشعبها الغربي الليبرالي التوجه، هذا عدا استخفافه بالدين الإسلامي بأكثر مقالاته وكتاباته، وكثرت التحركات الأدونيسية، وأي شيء يشتمّ منه رائحة الطريق إلى نوبل يفعله ضارباً عرض الحائط أي معنى للقيم وللمباديء التي يجب أن يتحلّى بها الكاتب الأديب، ولم يبق وسيلة أو طريق إلا ونهجه هذا الرجل الحداثي، والويل لمن تسوّل له نفسه بنقد هذا الرجل، فالأصابع ستخرج مشيرة ومنددة بتصريحات غير مسبوقة، فالناقد للدكتاتوريات السياسية هو خائن للوطن ويوهن من عزيمة الأمة، والناقد للدكتاتوريات الثقافية هو خائن للثقافة والفكر وجاهل بهما، وأدونيس في عرف جوقة أعلام الفكر والثقافة العربية هو ربّ من أرباب الفكر الحداثي والتنويري، ونقد مشروعه وفلسفته الطوباوية هو ضرب من العجز الفكري بسبب عدم مجاراة المعاني الإلهية لهذا الرب الحداثي.

هذا هو أدونيسكم يا من قذفتنا أقلامهم مدافعين عن رب الحداثة والتنوّر كما قدمتموه لنا، فعندما تستدعي الحاجة للكفر بالعروبة كان يكفر بها، وعندما تستدعي الحاجة للكفر بالأديان كان يكفر بها، باستثناء المذهب الشيعي، فأدونيس لم يتم تسجيل موقف له نقد أو تفوّه بكلمة على المذهب الشيعي، بل ثورة شيعة فارس هي ثورة مقدسة، وزعيم الملالي هو مقدّس لا يجوز المساس به على عكس الكثير من علماء العالم الإسلامي السني تحديداً فهؤلاء مشاع لشتمهم بأخس الألفاظ تحت سقف وطنهم هم، وحزب الله هو حزب مقاوم، والميليشيات الشيعية الإرهابية في دمشق هي ميليشيات مقاومة تدافع عن زينبها، واقتصرت معظم ردوده على من نقدوه وكشفوا سوءته بأنهم حسب تعبيره : أئمة مساجد. فأي ناقد لمشروعه هو إمام مسجد، لأن العقلية الطائفية والفوبيا الدينية التي تحاصر أدونيس هي المعيار والموجّه والبوصلة، فلو نقده إدوارد الخرّاط سيسمه بأنه إمام مسجد.

مسيرة طويلة لعلي أحمد سعيد ( أدونيس ) وباءت بالفشل، فشل أخلاقي أبرزته للعالم الثورة السورية العظيمة، وفشل أدبي تناوله العديد من الكتُّاب العرب، وفشل إعلامي ضخم  كفشله بالحصول على نوبل للآداب على الرغم من تحسّس كل السُبل دون جدوى. أيها الحداثي الطائفي سقطت كلّ الأقنعة الزائفة، كلّ هذه المسيرة للخروج من الثابت الذي ناديت به طويلاً، حاولتَ التحوّل وإذ بك ثابت على نهج تيس الجبل، إن جمهور الشبيحة لايعترف بالعقم الأخلاقي والإنساني، وتيس أسدي أكبر من نوبل غربية، لذلك لا تحزن فجماعة مسقط رأسك سيعوضونك بتيس أسدي وطني أصيل، والأهم من ذلك أنه تيس من إنتاج سيريتل تحت سقف الوطن

Tags: , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • المسلمون غير المسلمين والحرية الدينية,

    بقلم :ياسين الحاج صالح للمسيحي واليهودي خانتان محددتان في التفكر الإسلامي القديم (والمعاصر)، كانت تتقلب أوضاع شاغليهما الفعلية في المجال الإسلامي بتقلب الأزمنة والأوضاع السياسية والاقتصادية، لكن وجود هاتين الخانتين […]

  • «المسلحون الشيعة».. «المشلحون السنة»

    نديم القطيش : مثل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، كمثل بطاقات الهاتف مسبقة الدفع: كلما تكلم خسر من رصيده. خطابه الأخير دليل واضح على فقدان الحجة والمنطق. وهو، […]

  • الخلط ما بين الجيش السوري الحر و حالة الانفلات الامني

    بعد اطلاعي على اراء الكثير من الاصدقاء القدامى مِن مَن استطيع ان اسميهم من اصحاب التوجهات الحيادية او “الرمادية” فيما يخص الثورة السورية و الحراك الشعبي بشكل عام و الذين […]

  • عوالم المعتقلين السياسيين السابقين في سورية

    عن التحقيق والاعتقال وتجربة “الاستحباس”، عُسرا أو عسرا شديدا… لم يتسن لأحد من السوريين أن يتناول حياة المعتقلين السياسيين السابقين بعد الإفراج عنهم. تبدو هذه الحياة فاقدة لـ”الندرة” و”الفرادة” اللتين […]

  • سبحانه,الذي يغير ولا يتغير !

    نيسرين عبود, سيلفيا باكير  : اننا نرى امراء الحرب والسياسة وهم طوال سبعة سنوات يتحاربون بشكل مستمر وبشكل متقطع يتكلمون ويتحادثون ويحاورون وكل منهم في قاعة منفصلة عن الأخرى , […]