أدونيس وصناعة الجهل !

July 9, 2015
By

فاتح البيطار:

الحيرة هي  الكلمة  التي تصف حالة  البعض عند تعرفهم على  آراء أدونيس , فجوابه على  أول سؤال طرحته جريد  السفير  في لقائها معه  أوقعني  بحيرة كبيرة ,  فادونيس  يرى على أن  المأخذ الأولي على حركات  التحول العربي  هو  خلو  هذه الحركات من  أي مشروع  يشكل خطوة نحو التغيير  , همه  ليس تغيير السلطة  , بل تغيير  المجتمع  وتغيير الأفكار  وتغيير الثقافة , ويرى أدونيس على أن  الطابع العام للانفجار  كان دينيا  ومشروعه  العودة  الى أصول خانها الناس ,  وهي أصول دينية بشكل أو بآخر, قال حرفيا:

“لا أعتقد أن أحداً تردد في الدفاع عن التحولات العربية والوقوف إلى جانبها. وهذا الانفجار كان محموداً ومطلوباً في تونس أو في القاهرة أو في البلدان العربية الأخرى. والجميع يعرف هذه التطورات، ولا أودّ الدخول في تفصيلاتها. لكن المأخذ الأولي عليها هو خلوّها من أي مشروع يشكّل خطوة نحو التغيير. ليس تغيير السلطة، بل تغيير المجتمع، وتغيير الأفكار، وتغيير الثقافة. ولاحظنا أن وراء هذا الانفجار لم يكن هناك خطاب ثقافي تغييري، وأنّ الطابع العام لهذا الانفجار كان دينيا. ولاحظنا أيضاً أنّ المشروع السياسي لهذا الانفجار هو مشروع عودة إلى أصول خانها الناس ويجب العودة إليها، وهي أصول دينية بشكل أو بآخر.”

يفتقد  أدونيس المشروع  الذي يراه ضروريا , ولكن ماذا يقصد أدونيس  بمفهوم “المشروع”؟, ,اغلب الظن على ان أدونيس لايقصد  بمفردة”مشروع “ماجاء  في المعاجم  العربية , فالدلالة اللغوية  لمفردة “مشروع ” هي دلالة  تتعلق بما سوغه الشرع   أي الدين , أدونيس يقصد بدون شك  الاشتقتق  اللغوي لهذه الكلمة من اللاتينية (project), وهذا الاشتقاق يعني  الدفع الى الأمام  ببعد حيوي براغماتي  وتنبئي منهجية  التنظيم والتقويم  والتخطيط  وذلك لانجاز  عملية تقدمية  توقعية على أرض الواقع , انه برنامج حياة  تريد  لنفسها التقدم  والنجاح  وتمارس  “التقويم”  لاعوجاج  موجود  , وليس من الضروري  التعمق في  فلسفة  مفهوم المشروع  , الا أنه من الضروري  القول بشكل مبسط  على   أن   أي “مشروع  ” ينبثق  ويولد من الحاجة له   , والحاجة  لأي مشروع   تتناسب طردا  مع كم وكيفية الاعوجاج القائم  , فبدون اعوجاج  لاحاجة الى التقويم وبالتالي لاحاجة للمشروع ,   والحالة  العوجاء هي التي تحدد اطار المشروع ومضامينه .

لمفهوم “المشروع ” في  الحراكات  التغييرية التحويلة  شيه  مع   مفهوم  “الشرعية” في هذه الحركات ,  ومع مفهوم  الديموقراطية  ثم مع  مفهوم الثورية في حركة ما  , فكل هذه المفاهيم  تتقلق جذريا  بالوضع الأعوج القائم  ,  الثورة تستمد شرعيتها  من لاشرعية السلطة  , الثورة ديموقراطية  عندما تكون  السلطة ديكتاتورية  , للثورة “مشروع:”  يتناسب   طردا مع  نقص مشاريع السلطة ,  السلطة لاقانونية   لذا فانه  للثورة على السلطة “مشروع” قانوني ,  السلطة  تمارس الفساد  , لذا فان “مشروع ” الثورة  سيكون مكافحة الفساد  , السلطة طائفية , لذا فان مشروع الثورة سيكون اللاطائفية  , الثورة تستمد  كا   الايجابيات  من سلبيات السلطة  , ولما كانت الثورة  عبارة عن  هدم لما هو موجود وبناء  ماهو جديد لذا  يمكن هنا القول  على أن  للثورة مشروع  ومشروها  يتناسب كما وكيفا  مع نواقص السلطة وسلبياتها .

كل ماذكر يخص موضوع الثورة  بشكل عام ومجرد , يخص موضوع أي ثورة  بما فيه الثورة السورية ,  والوضع السوري يمثل “ثورة” ليس لأن البعض يريد اعطائها  هذا الاسم  , ولكن لأنه عليها  أن تكون جديرة بهذا  الاسم   وبتبعاته  , انها ثورة  وليست اصلاحا , كما أنها ليست  مطالبة   ببعض  الحاجيات , ولا علاقة لها بالتموين  ولا بسعر  كيلو البطاطا  , انه  تمثل  ضرورة عملية اقتلاع النظام من جذوره  , لأنه ليس  للنظام جذر  يستحق الابقاء عليه ,  , انها ثورة  لأنه لايمكن التعامل  ” كمشروع”  مع  نواقص الأسدية الا  بعملية ثورية , وكم ستكون سعادتي كبيرة لو أن علاج الاعوجاج  يتطلب فقط بعض الاصلاح أو يتطلب تلبية بعض المطالب , الا ان  الداء  أخبث من أن يعالج عرضيا ,  سرطان الأسد يجب  أن يبتر جذريا .

أدونيس يبحث عن  “مشروع”  الثورة  ولا يجده , لذلك  لايحتاج أدونيس  للشيئ الذي نسميه ثورة  , وأدنيس يريد القضاء على هذا الشيئ  لأنه ليس له “مشروع” انه نوع من “الفائض” الذي  لادور ولامعن ولاقيمة له  ولاجدوى منه  , يجب  طرحه  لأنه غوغاء فتحت النوافذ للمد الأصولي , وبذلك يجب معاقبته  وتعليق  رجاله على   خشب المشانق  و انه  اجرام  بحق البلاد  لأن  تدمير النظام هو بمثابة تدمير للبلاد ( السيدة  نيسرين عبود عالجت هذه النقطة  بمقال نشرته في  هذه المجلة وتشكر عليه شكرا  كبيرا )  , ولو كان بمقدورنا  نظريا  الاستجابة  لما يراه أدنيس حقا وحقيقة, ونفذنا ما راده أدونيس  فما هي النتيجة ؟. النتيجة واضحة  وجلية  ,  وتعني  الابقاء على الأسدية  بقضها وقضيضها  , ثم الانتظار  لريثما   تحمل النساء  وتولد ثوارا  بمشروع  يرتاح  أدونيس له  ويؤيده  , والمشروع الذي على  الجدد  تنفيذه  لايتضمن  ترحيل  النظام  وانما يتضمن  تغيير المجتمع  وتغيير الأفكار وتغيير الثقافة , أي أن   أدونيس يريد للنظام البقاء  ويريد اضافة الى ذلك  انجاز  التغيرات  في مجال  الأفكار والثقافة  والمجتمع بشكل عام , وهنا  يجب  سؤال أدونيس  عن  امكانيات   انجاز تلك التغيرات  تحت اشراف  الأسد ؟, وماذا سيكون موقف الأسد  وأجهزته الأمنية  من اؤلئك رواد التغيير ؟ ,

افضل من يستطيع الاجابة على هذا السؤال  هو أدونيس بالذات , ولو سمح لي أدونيس بالاجابة نيابة عنه  لقلت , لقد هرب  أدونيس قبل حوالي نصف قرن  ويعيش  منذ حوالي نصف قرن في الغربة بين بيروت وباريس , وانصافا لأدونيس أقول   لقد حاول  تغيير الفكر  والقثقافة والمجتمع  , لكنه اضطر بالمقابل الى الهروب انقاذا لحياته , وشأن من حاول التغيير  من السوريين  هو كشأن أدونيس  , اما في المهجر أو في المحجر  , اما الموت  تعذيبا في السجن أو الموت اغتيالا  خارج السجن  ..حظ  البهيمة الصامتة   كان أحيانا “وردي” , فالبهيمة التي   تلتزم بالصمت  ولا تفكر ولا تغيير  وانما تنطق فقط عندما  يكون النظق  مديحا ودجلا  وتلفيقا   , يريد أدونيس منا   انجاز التغيير  تحت مظلة الاسد , الذي يغيير   ويثقف  ويفكر أيضا  , انما باتجاه  دفع أدونيس  للقول  على أن البعثية  لم تقتدر على انتاج مثقف واحد  طيلة نصف قرن .

كل ذلك مستحيل في جمهورية الخوف , والشيئ الوحيد المتاح للسوري في سوريا الأسد هو التحول الى بهيمة  صامتةو وما يروج له أدونيس  ليس  الا عبث دونكيشوتي , أدونيس انسان قروي  وبسيط  في ادراكه  للأمور, ثم  انه ملوث طائفيا  وجهويا ولتضخيمه وانتغاخه وادعائه  ممارسة  المواطنة العضوية  علاقة وثيقة مع المستوى  المنخفض  للثقافة في بلاد ابتلت  بنظام  قولب المجتمع  بقالب الجهل  والأمية السياسية , الا أنه صدق بقوله  على أن البعث لم ينتج مثقفا واحدا طوال نصف قرن , والعقم هنا لايستثن أدونيس , انه صناعة أسدية بامتياز !

Tags: , , , , , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • لأني مُستعبد قبل الولادة!

    ز. شيخ الكار: ا أناحر فيما اشعر … …………………………………………….مهاترات كيدية ، لأني مُستعبد قبل الولادة . ينتابني شعور حقيقي انني ارهابي ، لا اجيد الا لغة القتل والذبح والسحل والاغتصاب وبيع السبايا […]

  • الفنان الذي اندثر تشبيحا

     رأينا  غسان مسعود وهو يبكي  , وقد أصابتني الحيرة حول  نقطتين , أولا طريقة بكاء الممثل المقتدر  , ثانيا  لماذا هذا البكاء وعلى من تبكي ياغسان مسعود , ولا أود […]

  • فرص ضائعة!

    هل القيادة السورية هي المسؤل الأول عن ما حصل في البلاد ام إن دائرة صنع القرار الضيقة هي من أوصل الأمور إلى هذا المستوى من الاحتقان وربما نقطة الـ لا […]

  • يريد أن يناظر الأسد لكنه «لم يبلّغ» بذلك بعد… مرشّح شيوعي لاتحاد الجمهوريات السورية

    بقلم: سليم البيك  نحن الآن في موسم الأعراس الديمقراطية الممتدة من سوريا حتى مصر، وكي لا تكون أسطري هذه مجرد تكرار لمقالات عديدة كُتبت في انتقاد هذه الانتخابات في كلا […]

  • وميض فينكس القاتل !

    الشاعر  أحمد مطر تحدث عن مقاومة وممانعة الاٍسد قائلا على أنها ثرثرة ,فالأسد يصول ويجول في شوارع دمشق كسيف عنترة  , وقد انحرج الأتباع  من شدة   المفارقة  , حيث  يهدد […]