متلازمة التطرّف والاستبداد عند العرب!!!!

 

ريتا فرج:

Bildergebnis für ‫حرب أهلية سورية كاريكاتير‬‎, لو أردنا تحديد العلاقة بين التطرف الديني والاستبداد السياسي في العالم العربي، يتبادر إلى عقولنا السؤال التالي: أيّهما مولّد للآخر؟ يبرهن تاريخنا الحديث منذ نشوء الدولة الوطنية على تلاحم وظيفيّ بين الطرفين منع التحولات العميقة الآيلة إلى تبدّل أحوال العرب وتقدمهم الحضاري. تتنافس الأمم الأخرى على صناعة مستقبلها، بعدما تجاوزت أصولياتها المدمرة وطغيانها، وبعدما باتت الديموقراطية والحداثة السياسية محرّكاً لها. تتراجع الأمة العربية المتخيّلة وتدمّر نفسها من الداخل. لقد وصل التدمير الذاتي الذي فجّره المحرك الاحتجاجي إلى مستوى غير مسبوق. يمكن القول وبشيء من التسليم المحفوف بالقلق: إننا اليوم أمام سطوة الانهيارات.
سطّر عبد الرحمن الكواكبي (1855-1902) في «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» إرهاصات مخاطر الاستبداد الديني والسياسي وقدّم مقاربة تعبر بشكل دقيق عن أحوالنا، ماضياً وحاضراً. يقول في سفره: «تضافرت آراء أكثر العلماء الناظرين في التاريخ الطبيعي للأديان على أن الاستبداد السياسي متولّد من الاستبداد الديني، والبعض يقول إن لم يكن هناك توليد فهما أخوان أبوهما التغلب وأمهما الرياسة، أو هما صنوان قويان بينهما رابطة الحاجة على التعاون لتذليل الإنسان (…) هذا التشاكل بين القوتين ينجرُّ بعوام البشر، وهم السواد الأعظم، إلى نقطة أن يلتبس عليهم الفرق بين الإله المعبود بحق وبين المستبد المطاع بالقهر، فيختلطان في مضايق أذهانهم من حيث التشابه في استحقاق مزيد التعظيم، والرفعة على السؤال وعدم المؤاخذة على الأفعال (…) والحاصل أن كل المدققين السياسيين يرون أن السياسة والدين يمشيان متكاتفين، ويعتبرون أن إصلاح الدين هو أسهل وأقوى وأقرب طريق للإصلاح السياسي».
يتبادل الاستبداد السياسي الأدوار مع التطرف الديني. يتلاقيان عند مفاصل كثيرة: قهر الجمهور بعزله، وبناء إيديولوجيا الخضوع مخافة الفتنة، وتأليه الحاكم ورجل الدين، وتعميم ثقافة اليأس من خلال الفكر الديني المتشدّد. لقد آل الاستبداد والتطرف إلى تعميق الأمية الثقافية السياسية والدينية، وأرسى القواعد الطغيانية البقائية التي تتغذّى من جهل العامة.
يلخص المفكر المصري فؤاد زكريا (1927ـ 2010) في كتابه «الصحوة الإسلامية في ميزان العقل» (1987) الروابط بين الاستبداد والتطرف قائلاً: «لو شئت أن ألخص العلاقة بين الفكر الديني المتطرف من جهة وبين الديموقراطية والاستبداد السياسي من جهة أخرى، لقلت إن الديموقراطية لا تحارب هذا الفكر المتطرف، وإنما تزيل أسباب وجوده، فالتطرف الديني لا يضطهد في النظام الديموقراطي. بل إنه، ببساطة، لا يجد التربة الصالحة لظهوره. أما الاستبداد السياسي فإنه يعطي التطرف كل مقومات وجوده، ويهيئ له المناخ الذي يسمح له بالازدهار، لكنه سرعان ما يقمعه بعنف إذا تجاوز حدوداً معينة، وهو لا بد أن يتجاوز هذه الحدود، لأن التطرف لا يمكن حصره أو رسم «خط أحمر» لا يصح له أن يتعداه. وهكذا فإن الاستبداد يدخل مع التطرف في علاقة شديدة التعقيد: إذ إنه ينفعه ويضرّه في آن معاً، وينعشه ثم يخنقه في حركة جدلية مأسوية لا مفرّ منها. ومع ذلك، فإنك لو سألت التطرف الديني: أيهما عدوك الأول: الحاكم المستبد الذي يفتح لك الأبواب ثم يقمعك، أو الحاكم الديموقراطي الذي لا يضطهدك، ولكنه لا يعطيك فرصة الظهور، كان جوابه، الذي أثبتته أحداث التاريخ، هو أن الأخير هو العدو الحقيقي».
لا يقوى التطرف الديني من انتشار الأنظمة القمعية فحسب. تراثنا وتاريخنا الديني ينهضان على تقديس النصوص وسيطرة الإطلاقيات، فسادت نزعات التعصب الجمعي، وسُدت المنافذ أمام المحاولات الإصلاحية، خشية المساس بالمقدّسات وزحزحة الثوابت الدينية غير القابلة للتأويل والتجاوز الزمني. إلى جانب مأزق الإصلاح أنتج غلو المذاهب الإسلامية «إيديولوجيا نفي الاختلاف» ضمن دائرة الإسلام نفسه وخارج محيطه العقدي، فتقاتل المسلمون، وتقاتل أهل المذهب الواحد بدعوى الأحقية في امتلاك الحقيقة الدينية، ورفض التأويلات والتفسيرات الأخرى. كل هذا وغيره بلور «لاهوت اليقينيات» الذي لا ينفصل عن «لاهوت السياسات الطغيانية». فما أحوجنا إلى فقه عقلاني في أزمنة التغول الديني وانتشار العنف ونسيان الإنسان؟ وما أحوجنا إلى ترسيخ الديموقراطيات الحديثة؟
يعتبر بعض المحلِّلين أن التطرف الديني هو ثمرة الهزائم السياسية والعسكرية التي عرفها العرب منذ نكسة 1967، وأن فشل المشروع القومي أتاح المجال للحركات الإسلامية العنفية بطرفيها السياسي والجهادي كي تحتل الساحات والعقول. هزائمنا على مرارتها في ذاكرتنا التاريخية ليست نتاج إحباط المشروعات السياسية التقدمية، اشتراكية كانت أم قومية. الفشل في عمقه بنيوي. القوميون والاشتراكيون واليساريون، ما كانوا أقل طغياناً من دعاة الإسلام السياسي، وهذا إن دلّ على شيء فعلى تغييب وتعمية الجمهور عن الثقافة السياسية وترهيبه بالإيديولوجيات الهدامة التي لا تُقر بوجود الآخر السياسي فتغتاله رمزياً ومادياً، وتجعل الدول ملكيات خاصة تحت مسمّى الحزب الواحد والسيد الواحد والقائد الأبدي المفدّى.
لم يعرف العرب في تاريخهم الحديث ديموقراطيات حقيقية، وإن تأسست هذه الديموقراطيات، فهي إما مشوّهة وإما مصادرة طوائفياً أو عشائرياً. الأخطر أنهم اليوم وبفعل انفجار العنف وانتشاره غير المسبوق دخلوا في مرحلة جديدة من إنتاج الاستبداد السياسي بذريعة صدّ الإرهاب العابر للحدود وإعطاء الأولوية للأمن. مخطئ من يظنّ أن التصدي للحركات الإرهابية يحتم تقديم الملف الأمني على الملفات الأخرى. لا يمكن الفصل بين الحريات وكرامة الإنسان والمشاركة في القرار والتوزيع العادل للثروات الوطنية وإعطاء الحقوق للأقليات الإثنية والدينية عن الشرط الأمني. ثمّة تلازم شرطي. انتفاء العوامل الأولى يزعزع الأمن في أي دولة مهما كانت قبضتها حديدية.
لا تواجه الأزمات بمنهج الستر والطمس والترضية ومحاربة التشدّد المذهبي بتشدّد يقابله. من الأجدى للأنظمة العربية وللمؤسسات الدينية الرسمية إدراك حجم مخاطر التي أنتجها الاستبداد السياسي والتطرف الديني على مدار عقود مديدة. لم نعد في حلبة صراع بين فكر علماني وآخر ديني. نحن اليوم أمام تفشي ساطور الطغيان، دينياً وسياسياً. وحده الإصلاح والعدالة الاجتماعية قادران على إخراج العرب من بؤر اليأس وفقدان الرجاء. وكل من يدّعي عكس ذلك يتعامى عن سياسة الحقيقة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *