الأسد الذي يحاول الجميع التبرؤ من سقوطه الوشيك

 غازي دحمان:

أيام نظام الأسد باتت معدودة، وقائع سوريا تسير بهذا الاتجاه، فالنظام فقد شبكات الحماية الإقليمية والدولية، أو على الأقل تصادف أن جميع اللاعبين قرروا ترك التطورات في سوريا تسير حسب أعنتها، وتصادف أيضاً أن يكون لكل طرف حساباته الخاصة في هذا الشأن. صحيح أنها حسابات مختلفة، ولكنها في الوقت نفسه، كلها تؤدي إلى نتيجة واحدة وهي ترك نظام الأسد وسوريا تسبحان في دمائهما في اللحظات الأخيرة، وانتظار ما ستؤول إليه الأمور.

قد يبدو مثل هذا التحليل غير منطقي ولا مسؤول في عز الكباش الإقليمي والتصارع الدولي الضارب، والذي شكلت سوريا واحدة من ساحاته في السنوات الثلاث الأخيرة، وفي القلب منه مصير نظام الأسد، والاستثمارات الهائلة في المواقف والإمكانيات التي رصدتها الأطراف، عدا الرهانات التي وقفت خلفها، إن لجهة إعادة صياغة النظام الدولي والمنظومة الإقليمية بالنسبة لروسيا وايران، أو الرغبة في تحولها ساحة مشاغلة واستنزاف بالنسبة للولايات المتحدة وأميركا، فهل يعقل أن تتعطل فجأة كل تلك الرهانات وتذهب الاستثمارات هكذا هباء، أو بصيغة أخرى هل انهزم الجميع في سوريا أو تعقلنوا؟

لا يشك أي مراقب في أن شراسة الحرب السورية المديدة، والتي لم تعرف الراحة ليوم واحد، على مدار السنوات الأربع، كانت حصيلتها مريرة، إلى درجة تحطمت أمامها كل المكاسب الممكنة، في بلد انتهى إلى سيطرة أكثر من ألف فصيل متقاتل، وبات بمثابة الثقب الأسود الذي تضيع فيه كل الإمكانات، ولديه قابلية لابتلاع ميزانيات دول في صراعه من دون أن يكون هناك وعد بمكسب ممكن. وفي ظل مشهد شديد الكآبة، لبلد أكثر من نصف سكانه بين لاجئ ونازح، والجزء الكبير من عمرانه وبنيته التحتية انتهى، فضلا عن عدم وجود أفق بانتصار طرف محدد، يعني أن استمرار الصراع نمط من العبث الجنوني.

الأهم في كل ذلك أيضاً، أن النظام نفسه انتهى بعد أربع سنوات إلى هيكل متصدع لا يمكن صيانته ولا إعادة تشغيله بطريقة منتجة، وقد انتهت محاولات إعادة تأهيله إلى الفشل، حيث لم يدع النظام ثغرة يمكن من خلالها التسلل إلى إصلاح الأعطاب، التي خلفها عبر حركته العشوائية والمدمرة في تعامله مع الأزمة، إذ ارتكب في الأثناء جملة من الارتكابات تجعل من أمر إعادة تأهيله مسألة لا يستطيع القيام بها صديق ولا عدو، كما أن ثقل جرائمه جعلت من الصعب إيجاد منطق لتبريرها، بعدما عجزت كل أشكال التدني الأخلاقي السياسي، المتلطية في سياسات الكثير من الدول، عن تسويغها ولفلفتها.

شكلت أزمة اليمن فرصة لجميع الأطراف لإعادة تموضع إنشغالاتها وإهتماماتها وفرصة لتحقيق انسحاب هادئ من ساحة الصراع السوري، وبانتظار انقشاع غبار الحرب اليمنية وزوال حالة الضباب التي شكلتها، هذا إن انتهت في وقت قريب، سنجد أن المشهد السوري بات ينطوي على خريطة جديدة تختلف عن تلك السابقة لأزمة اليمن، أهم سمات تلك الخريطة انحسار سلطة نظام الأسد عن بقع كثيرة في الجغرافية السورية، وإعادة تموضعها في أماكن محددة، في الطريق الى تحويل النظام إلى مجرد ميليشيا ضمن جوقة من الميليشيات العديدة المتصارعة، فيما يعتبر المخرج الأفضل للخروج من حالة الانسداد، التي استنزفت الجميع، علّ هذا التغير في المراكز يساعد في تحريك الحلول للأزمة.

ثمة مؤشرات عديدة تشي بمثل هذا التمهيد، بعض الأحداث المتناثرة هنا وهناك في قلب المشهد السوري، مثل حادثة سقوط معبر نصيب، والذي كان حتى فترة قريبة يحظى بفيتو إقليمي، وكذا تقهقر قوات الأسد في الشمال، وربما ساعد على حصول هذه التحولات انكفاء بعض الأذرع الإيرانية (العراقية منها تحديداً) ونقل إيران جزءاً كبيراً من عناصرها إلى العراق، ما يعني تفضيل واضح للجبهة العراقية، باعتبارها أكثر فائدة ومضمونة بشكل أكبر، واهتمام «حزب الله» بمناطق محددة في الجغرافية السورية، بسبب حالة الإنهاك التي تعرض لها نتيجة انتشاره الواسع. ومن ضمن تلك المؤشرات أيضاً، الطلب الأميركي الصريح الذي وجهه الرئيس باراك أوباما في لقائه الصحافي توماس فريدمان للدول العربية بالمبادرة إلى مواجهة نظام الاسد، الذي يرتكب أبشع أنواع الجرائم بحق شعبه، وكذا امتعاض روسيا من عدم استجابة نظام الأسد لشروط الحوار مع المعارضة الداخلية في لقاء موسكو2.

على ذلك، يمكن وصف الموقف الراهن بالتالي، وجود شبه إجماع من قبل مختلف الأطراف على اليأس من الحالة السورية، وظهور ملامح رغبة لديها بالتخلص من التزاماتها، لكن لا أحد يريد أن يكون هو الطرف الذي يتولى عملية إسقاط الأسد، ربما لاعتقاد هذه الأطراف أن سقوطه ستنتج عنه فوضى لا يعرف أحد مداها، نظرا لحالة الفوضى التي بات ينطوي عليها الإقليم السوري، سواء لجهة تعدد الأطراف المتصارعة أو لاتساع مدى انتشارها، أو نظرا لخوفها من المذابح التي قد ترافق لحظات السقوط الأخيرة لنظام الأسد. وهي حالة بدأ الكثير من الأطراف يتحسب لها، وبالتالي فإن الاتفاق بين الأطراف هو ترك المقادير تجري حسب أعنتها، ولتشكل المشهد الذي تريده، المهم أن يجري كل ذلك من دون أن يحسب بشكل مباشر على طرف محدد، بمن فيهم المؤيدون للأسد نفسه.

1 comment for “الأسد الذي يحاول الجميع التبرؤ من سقوطه الوشيك

  1. samir akaad
    May 10, 2015 at 6:53 am

    سقوط الأسد هو أمر حتمي لأن موازين القوى داخليا وخارجيا ليست لصالحه , ففي سوريا الكل تقريبا ضده ماعداد قسم من الطائفة العلوية والقليل جدا من الطوائف الأخرى , وخارجيا حلفائه ضعاف مقارنة بمعارضيه بقيادة الغرب , لاعلاقة لهذا التقييم بموضوع الحق والأحقية وحتى لو كان من أعظم رجال العالم سيسقط لأن أمريالاتريده , لاتنفع أسراب الدفاع الوطني ولا الحماس ولا التصميم ولا الزعيق والصراخ ولا العزم ..سيسقط !!
    لو كان بالفعل ذكيا ويريد للوطن الخير ولا يفكر أولا بالمرتزقة ومصالحها ولا بالشبيحة ولا بالنهيبة واللصوص لرحل فورا بعد تنظيم انتقال السلطة الى جهة مدنية , ولو كان بالفعل مدني علماني لما تأخر لحظة بذلك , ولتمكنت خطوته هذه من تحجيم داعش وأشباهها بشكا تمر به المرحلة الانتقالية بشيئ من التوازق والهدوء , ولما حول البلاد الى أنقاض وقتل مئات الألوف وشرد الملاين وأجاع نصف الشعب السوري الذي يقتات الآن من الأمريكان , ولماكانت هناك حاجة لقتل عشرات الألوف تحت التعذيب وسجن ٨٠٠٠٠٠ سوري حيث تحولت الآن الملاعب الرياضية الى سجون , لو كان ذكي لتجنب الملاحقة الدولية ولتجنب اتهامات المحافل الدولية ولوقع على اتفاق روما بخصوص محكمة الجنايات الدولية ولسارع فورا الى المثول أمام هذه المحكمة , لو كان فهيما لما وصل الى ماوصل اليه ولما أوصل الطائفة العلوية الى ماوصلت اليه والأعظم هو ماستصل اليه الطائفة , لو كان انسانا لرفض موت عشرات الألوف من شباب الطائفة العلوية من أجله , ولنقولها بصراحة , لم يتم قتل العلوي الشاب اثناء ممارسته لمهنة التعليم أو الزراعة .., وانما اثناء التحارب , واحصائيا يحب الانطلاق من الحقيقة التالية , كل علوي يقتل , يكون قد قتل قبل مقتله على الأقل ١٠ من االجهة الأخرى , مقتل ١٠٠٠٠٠ شاب علوي يعني مقتل مليون شاب سني أتستحق رئاستك يابشار كل ذلك !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *