الحكومة الجديدة: حفنة كذابين… وحفنة مصدّقين؟!

بقلم :عبد القادر المنلا

ما الذي تريده من الحكومة الجديدة؟ ذلك السؤال كان يتردد على مدار أيام في شاشات النظام من خلال ريبورتاجات مع “الأخوة المواطنين” رغم أن أي معد مبتدئ ليس أمامه إزاء مهزلة تشكيل الحكومة إلاّ أن يحصر الريبورتاج في سؤالين أساسيين حول ما يسميه النظام “حكومة”:
– هل تعتقد أنها جديدة؟
– هل تعتقد حقاً أنها حكومة؟؟
أن يصف النظام شخصياته الكرتونية التي تتبوأ مواقع الوزراء بأنهم “حكومة” فذلك أمر بديهي لأنه لا يجد لهم توصيفاً آخر يناسب الصيغة الرسمية التي يريد اعتمادها، ومن غير المعقول أن يصرح بوصفهم شبيحة أو عبيدًا أو أتباعاً أو أزلاماً أو خدماً للقصر الجمهوري، فضلاً عن أنه لا يستطيع إلا أن يسوق للسوريين وللعالم -قسراً وبالإكراه- فلسفته الخاصة عن الشرعية مهما كان متناقضاً مع مضمونها..

يحق للموالين وصغار الشبيحة أن يتفقوا مع النظام على ذلك التوصيف باعتباره وجهة نظر، أما أن توصف تلك الحكومة بـ “الجديدة” فهو افتراء لا يتفق حتى مع منطق الكذب، فتغيير وزير الثقافة ووزراء قلة في الوزارات الهامشية أمر لا يرقى حتى إلى مسمى التعديل الوزاري، على الرغم من أن كل الوزارات لدى النظام السوري هي هامشية لا أهمية لها ولا قرار، ولا داعي لتكرار البديهية التي يعرفها كل السوريين بأن رئيس الوزراء السوري وكل أعضاء حكومته سواء الجديدة أو القديمة وعلى مدار تاريخ سورية الأسد يأخذون أوامرهم من ضباط صغار في الحرس الجمهوري ومن فروع المخابرات ولاحقاً من أي إيراني يتواجد اليوم على الأرض السورية..

أثناء الحملة “الانتخابية” لرئاسة الجمهورية تم تسويق فكرة الرئيس “الجديد” وتم التركيز أكثر على عدم التصريح باسم هذا الرئيس الذي يُشفع دائماً بعبارة “أيا يكن” من المرشحين الثلاثة وذلك من أجل التلويح بأن الانتخابات الرئاسية حقيقة واقعة وليست مجرد وهم يتم فرضه بالقوة، ولكن نائبة عميد كلية الإعلام وأستاذة التشبيح الدكتورة نهلة عيسى انزلقت في واحد من حواراتها التلفزيونية المخصصة للحديث عن الرئيس الجديد “أياً كان” لتقول بالحرف الواحد: نحن نطالب الرئيس الجديد في ولايته الثالثة بإعادة الأمن والأمان، ثم أكملت أسطوانتها المشروخة ولم يستوقفها خطأ التعبير الذي كشف عن ماهية الرئيس الجديد الساكن في عقلها الباطن، ولم يستوقف المذيعة بدورها ذلك الانزلاق بحكم اتفاقها مع الطرح الذي لم تستطع أستاذة الإعلام أن تتجنبه.. ثم فوجئ الجميع بنجاح بشار الأسد في الانتخابات وأصبح توصيفه الرسمي: الرئيس الجديد!!

حين تكون الكذبة مفضوحة في رأس الهرم لا يهم أن تنسحب على ما دونه، وهكذا بات اسم وزارة الحلقي: “الحكومة الجديدة” بمرسوم رئاسي.. الرئيس الأكذوبة يصدر مراسيم الكذب، يشرع الكذب، وهي حالة الانسجام الوحيدة التي يتمتع بها نظام الأسد، ولكنه اليوم لم يعد مهتماً بمداراة كذبه أو محاولة ترقيع فضائحه الأخلاقية ويبدو أنه قرر اختصار الطريق وإعلان الكذب صراحة وإراحة باله من البحث عن مبررات أو تخريجات ويبدو بعد أن أيقن أن اللعب بات مكشوفاً وأن كل ما بذله في السنوات السابقة من جهد ومال وشبيحة لمحاولة إظهار روايته وتبريراته على أنها متماسكة لن ينطلي على الداخل إلاّ بالقوة، ولا على الخارج إلاّ بالتزييف والاحتيال والصفاقة، ففي الداخل ثمة مؤيدون لا يصدقون سوى كذب نظامهم، وثمة موت ينتظر كل من تراوده نفسه في الاحتجاج على الكذبة، وفي الخارج ثمة من يدافع عن الكذبة باستماتة مهما بلغت درجة فضائحيتها وكاريكاتوريتها..

ورغم ما لنظام الأسد من خبرة عريقة في الكذب ورغم أن أساس وجوده واستمراره قائم على الأكذوبة منذ تسليم الجولان في العام 1967 وحتى الآن، فإنه ابتداء من لحظة اندلاع الثورة فقد كفاءته في الكذب دفعة واحدة لأن الثورة لم تترك له مجالاً للالتفاف أو الاختباء خلف قضايا وطنية وقومية فأخذ يتورط بالكذب المفضوح والصريح والمتناقض علانية، وكان تتابع الأحداث يضطره لأن يكشف كذبه بنفسه بدءاً من إعادة النظر بالمظاهرات السلمية التي كان ينكر وجودها ثم أخذ يستشهد بها لإدانة تسليح الثورة، وليس انتهاء بالطلب الرسمي الذي قدمه وليد المعلم لأمريكا للتدخل العسكري المباشر في سورية بعد أن خوّن كل من طالب بذلك التدخل حماية للمدنيين..

حكومات كثيرة تعاقبت منذ اندلاع الثورة حتى اليوم، ودستور جديد، وقوانين ومراسيم وتشريعات كان ارتدادها على الأرض دمار سورية وتفككها وولادة داعش ونموها وتحولها إلى دولة ذات حدود وموارد ولا يزال النظام يمارس كذبه وعناده ومكابرته، ولا يزال أتباعه وأبواقه وشبيحته متمسكين برواياته وكذبه رغم الضرر اللامحدود الذي وقع عليهم جراء دعمهم لها، فإلى أين ستأخذ سورية تلك الحفنة من الكذَبة وتلك الحفنة من المصدقين، وأي أمنيات نعلقها على رقبة الحكومة الجديدة التي لا يجرؤ أحد منها على مجرد لمس الجرس ناهيك عن وضعه في رقبة القطة فلة.

3/9/2014

2 comments for “الحكومة الجديدة: حفنة كذابين… وحفنة مصدّقين؟!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *