( الاستقرار) دين المرحلة؟

May 4, 2014
By

بقلم:حازم صاغية 

هل كان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ليترشح مجدداً للرئاسة، وهو في طريق عودته من غرفة العناية الفائقة، لو أن ثورات «الربيع العربي» حققت وعودها الأولى ورست على استقرار ما؟

أغلب الظن أن الجواب لا. وأغلب الظن أيضاً أن موجة رجعية سوف تكتسح البلدان العربية التي لم تتعرض للثورات، وسوف يكون عنوانها، المرفوع إلى سوية دِين سياسي، الاستقرار والحفاظ على الوضع القائم. وها هم المصريون يقولون بأعداد لا يُستهان بها إن عودة المباركية من دون مبارك خير من السير في حقل من ألغام الواقع والتاريخ. وثمة بين السوريين وبين الليبيين من يراجعون ما حصل، ومن يقولون، في السر أو في العلن، إن الشيطان الذي نعرفه خير من الشيطان الذي نتعرف إليه. أما نوري المالكي، ومن دون ثورة، فيحاول بطريقة رثة أن يستعيد صدام حسين وقد تقمص شيعياً.

والحال أن المرء حين لا يسير لا يقع أرضاً، وحين لا يسبح لا يتعرض لاحتمال الغرق. أما الاستقرار، في هذا المعنى، فمفاده الدعوة إلى أن نلزم أماكننا، لا نسير ولا نسبح.

وكان النظام السوري سبّاقاً، وصائباً أيضاً، في ربط محاولات التغيير بالفوضى مقابل ربط الوضع الراهن بالاستقرار.

بيد أن السؤال الآخر يطاول معنى هذا الاستقرار الذي يعادل الموات المحض، كما تطل بشائره اليوم في جزائر بوتفليقة وفي حالات أخرى تنتشر وتعم في العالم العربي.

 والحق أن هذا الطلب على الاستقرار، على رغم طابعه العام والشامل، يخاطب فئات اجتماعية تقيم في النصف الأعلى من الهرم أكثر مما يخاطب فئات تقيم في النصف الأسفل منه وتشعر بأنها هي من يدفع كلفة الاستقرار، ليس في مستوى حياتها فحسب، بل كذلك في توحيشها ونزع إنسانيتها. مع ذلك، لا بد من الاعتراف بأن الانهيار الصارخ للثورات، بعد الانهيار الصامت للأنظمة، يضعنا أمام انسداد تاريخي نتعلم منه أن ما من بر أمان: لا الأنظمة العسكرية – الأمنية وكبتها التناقضات توصل إليه، ولا الثورات في ظل التفتت والرايات الإسلامية والأهلية المرفوعة تفضي إليه. ومع وضع مُر كهذا، يستحيل التعويل على تطور تدرجي يستبعد الثورات والحاجة إليها.

 فإذا كان تثقيل الثقافي على حساب السياسي واحداً من شروط الإقلاع الصعب، فإن اشتمال الثقافي على المجتمعي هو، في حالتنا الراهنة، ما يجعله ثقافياً وفاعلاً.

 بلغة أخرى، إذا ما راجعنا ثقافة ما يُسمى الحداثة العربية في وجهيها اليساري والليبرالي، رأينا أنها نادراً ما عُنيت بمسألة المجتمع– الدولة. ففي برنامج تلك الحداثة الذي امتد من تحرير المرأة إلى تحسين التعليم، ومن العلمنة إلى الديموقراطية السياسية، أو -في الشق اليساري منها- إدخال تعديلات جذرية على توزيع الثروة، لم تحظ مسألة الدولة– الأمة ومدى التطابق بينها وبين مجتمعها الأهلي باكتراث. واقع الأمر أن معظم الحداثيين اعتنقوا نظريات قومية (سورية، عربية…) نافية للدولة الوطنية، بقدر ما تعاموا عن رؤية التركيب الأهلي، الديني، الطائفي والإثني لمجتمعاتهم، محيلين هذه الرداءة «الماضوية» إلى «الاستشراق الاستعماري».

 اليوم، ليست ثقافة الحداثة عملية مقارنة تافهة بين «الحداثة» و «الأصالة»، وبين «التقدم» و «التخلف»، يلازمها التنصل من الثورات وكَيْل المدائح لاستقرار الموت، على ما تفعل أعداد متعاظمة من مثقفي مصر أو فناني الجزائر. إنها، في المقابل، عملية اقتراب من فهم المجتمعي والأهلي، لا تتردد في وضع الأوطان والخرائط نفسها على المحك، وصولاً إلى أوطان– دول قابلة للحياة. والقابل للحياة هو وحده الذي يحتمل الثورات فلا تصيبه بالانهيار، سيما وأن هذا الاستقرار المزعوم ليس سوى مصنع لإنتاج البربرية مرة بعد مرة.

Tags: , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • فاشية معكوسة

      بقلم:الفضل شلق لا فرق بين سيارات الموت المفخخة والبراميل المتفجرة. كل منهما يرمي إلى قتل أكبر عدد ممكن من “الأعداء”. الأعداء ليسوا مقاتلين فقط. هم أيضاً غير مقاتلين، وأطفال […]

  • الشوط الأخير من مباريات النهائي على رأس بشار الأسد

    تيسير عمار: كتبت الغاريان  مقالا  حمل بعض المفاجأة للقارئ , فبالرغم من  النفي المتكرر  لتزويد الثوار السوريين بأسلحة متطورة من قبل أمريكا , وجد الثوار أنفسهم  مؤخرا بعد  تفاهم  تركي […]

  • حتى المقابر أصبحت طبقية !!!

    عام 2006 كتب المواطن من الدرجة الثانية ميشيل كيلو مقالا حول موضوع النعوة  واشكالها في بلدته  الثانية  اللاذقية , وذلك من بلدته الأولى وهي الزنزانة , وقد علق مواطن من […]

  • أرفض الغاء المادة الثامنة “رفضا قاطعا”..عمار الساعاتي في حوار مع حسين الزعبي

    اختتم منذ أيام اللقاء التشاوري, كيف تنظرون كاتحاد طلبة الى هذه التوصيات ؟؟ لي ملاحظات كثيرة على اللقاء التشاوري، فهو يفتقد التكريس الحقيقي للديمقراطية، وملاحظاتي تبدأ من الهيئة التي شكلت […]

  • وهم الاستقلال وهمومه

    لقد قيل لنا  ,سوريا استقلت يوم 17-4-1946 , وفي هذا  اليوم نحتفل منذ 66 عاما ,هل توهمنا ؟  هل خيل لنا  على أن سوريا مستقلة ؟وكيف لنا ان نحتفل في […]