دكتاتور وفاشل اعلامياً

بقلم :أسعد الصالح

إذا رأيت رئيساً يعطي من وقته ما يقارب ساعتين لإجراء مقابلة مع محطة لبنانية ليست مشهورة عالمياً، فاعلم أن هذا الرئيس يعيش على هامش الزمن. إذا سمعت هذا الرئيس يقوم بتهميش من حوله في المنطقة بطريقة غير دبلوماسية (تذكرنا بالقذافي وصدام حسين)، فاعلم انه على هامش الجغرافيا. عندما يعظم هذا الرئيس من شأن امريكا امام جمهوره بهدف الانتقاص من حلفاء امريكا وتصوير نفسه على انه دولة عظمى لا ترى احداً نداً لها، فاعلم انه مصاب بجنون سياسي يعادل محاولة شطب اوروبا من الخريطة.

ظهور الاسد اعلاميا في الاشهر الاخيرة يذكرني بالحملات الانتخابية الامريكية. حملة بشار الانتخابية—لغوياً—هي في ترشيح نوع الدمار الذي يريد ان يسوقه للشعب واختيار اكثر الوسائل فعالية لتحطيم سورية وانتخاب ضحاياه: اطفال تقتل بالكيماوي في الغوطة واخوانهم جوعا في المعظمية ونساء ورجال في كافة انحاء سوريا. هذا برنامج الخراب الذي حملته عائلة الاسد في حكمها والذي اجبرت الشعب على التصويت عليه بالموافقة. الآن، يبدو ان الأسد الصغير يسعى لاكمال مسيرته اللاديمقراطية بلا خجل. ولو وجد الخجل لتم توجيه سؤال له عن تجويع المعظمية، لكن لا حياة لمن تنادي.

شخصياً، ارغمت مرة على تغيير ورقتي الانتخابية في مشاركة لي باستفتاء لبشار الاسد في صيف عام 2007 او في الاستفتاء الاول عام 2000. لا اذكر ايهما بالضبط. لكن ما اذكره تماما شعوري بالقرف ممن كانوا يخرجون الدم من اصابعهم ليضعوه على الورقة الانتخابية. ديمقراطية سورية كانت ولا تزال دموية بحتة. اخترت “لا” على ورقة الاستفتاء. ثم اعطيتهم اياها. فوجئت انهم فتحوها. لو عرفت ذلك ما فعلتها لاني ادرك ما معنى ان يحصل الرئيس على اكثر من 95 % من الاصوات اللاشعبية لتؤيد انتخابه القائم على الكذب والخوف. لم استطع بعد ان سألوني عند الصندوق:” ما هذا؟” إلا ان أقول اني اخطأت. قلت لهم: أليس المطلوب ان نشطب “لا” حتى تبقى “نعم” هي الجواب؟ كانوا يريدون ان يصدقوني لان عقولهم في صندوق اسمه نعم. اعطوني ورقة جديدة لاضع “نعم الكاذبة” بدلاً من “لا الصادقة” التي ذهبت الى سلة المهملات.

شيئ لا افهمه في خطابات بشار. لماذا يظن ان التحدث بالانجليزية يكفي لكي يعرف كيف يتعامل مع الجمهور الاجنبي الذي يسمعه او يراه؟ الاقامة في بريطانيا لفترة قصيرة من الزمن والتحضير لكل مقابلة مع معرفة الاسئلة بشكل مسبق لا ولن يجعله قادرا على معرفة مخاطبة الاجانب. هو يظهر بمظهر الكاذب في اغلب الاحيان عندما يحاول ان يلف ويدور ولا يجيب على الاسئلة بشكل مباشر. فعلها من قبل مع مذيع قناة فوكس نيوز عندما سأله سؤالاً يشبه سؤال مذيع الميادين عن الاسلحة الكيماوية: لماذا قررت ان تدمر الاسلحة الكيماوية الان؟ بدلا من الجواب بوضوح أو عدم الجواب اصلا، يقول بشار: لا لم نوافق الان. اذا ذهبت الى عام 2003 فإننا قدمنا “مقترحا للامم المتحدة يقضي بان تكون منطقة الشرق الأوسط خالية تماما من كل أسلحة الدمار الشامل.” هذا في اللغة الانجليزية اسمه بلاهة وهروب من الجواب وتذاكي.

رجعت الى ارشيف الاخبار لاعرف لماذا اصلا تبرع الاسد بتقديم مقترح لاخلاء الشرق الاوسط من الاسلحة. فوجدت التالي والتاريخ هو 24/12/ 2003 وعلى قناة الجزيرة التي اشتهر فيها مذيع الميادين:

“قمة الرئيسين المصري والسوري تأتي عقب قرار ليبيا الجمعة الماضي التخلي عن كل أسلحة الدمار الشامل”

“دعا الرئيسان السوري بشار الأسد والمصري حسني مبارك إلى إزالة كل أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الأوسط وخصوصا الترسانة الإسرائيلية.”

“وجاءت دعوة الرئيسين في بيان مشترك صدر في ختام محادثاتهما التي جرت بشرم الشيخ على البحر الأحمر أمس الأربعاء.”

“وجاء في البيان الذي تلاه وزير الإعلام المصري صفوت الشريف أن الرئيسين “أكدا أن تطورات الأحداث الجارية في المنطقة تثبت الحاجة إلى جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من جميع أسلحة الدمار الشامل تشمل جميع دول المنطقة بما في ذلك إسرائيل”. (الرابط: http://www.aljazeera.net/news/pages/ad1e5a37-4100-4343-ab34-c4c333e37fb0(

بشار لم يطالب عام 2003 باخلاء الشرق الاوسط لانه يحب الشرق الاوسط بلا اسلحة. بل هناك سبب تاريخي لا اعرف ان كان مذيع الميادين يستوعبه. كان يريد ان يظهر للعالم ان اسرائيل ايضا عندها اسلحة كيماوية. المنطق في عام 2003 انه من العدل ان لا يضغط احد على سوريا وحدها كما فعلوا مع ليبيا (وقد سلم القذافي الاسلحة طواعية) طالما ان اسرائيل (جارة سوريا) عندها اسلحة مماثلة.

لا نعرف لماذا غاب منطق الاسد ولم يقل نفس الكلام الذي قاله في عام 2003 عن اسرائيل؟ طالما انه يريد ان نرجع الى التاريخ لماذا لا يرجع هو الى مواقفة القديمة، ام ان هذه المواقف تتغير كما يغير ديكور قصره مع كل مقابلة؟ بشار الان يتبرأ من التاريخ الذي جمعه مع رئيس مصر عندما كان الاخير يعطيه النصائح للبقاء مقبولا عن الصعيد العالمي. أما كلامه عن السعودية فيدل على تأثير المملكة على القرار العربي، وهو شيئ استوعبه ابوه وجهله بشار لغروره.

عندما رأيت مقابلته الطويلة، تذكرت سخريتي على اعتراض النظام لانهم عرضوا في امريكا مقتطفات من مقابلة مع بشار اجرتها الصحافية الأمريكية الشهيرة باربرا والترز على قناة اخبارية امريكية. ألا يعرف بشار واتباعه في القصر ان هذا هو السائد في امريكا بالنسبة للمقابلات مع محطات اخبارية (وليس مع برنامج خاص للمقابلات مثل تشارلي روز)؟ هم يسجلون لمدة ساعة او اكثر او اقل ولكن يعرضون فقط مقتطفات قليلة من المقابلة وقلما يعرضون على المحطات الاخبارية مقابلات كاملة حتى مع رؤساء امريكا. هل يظن بشار ان وقت امريكا يسمح لضياع ساعتين من البث لعرض مقابلة معه؟ هذا ربما يمكن تصوره مع جستن بيبر لكن ليس مع دكتاتور مكروه. اكاد اجزم ان بشار يعرف من هو جستن بيبر، المطرب الشاب المشهور، بسبب وقته الفارغ.

مهما شوه الاعلام بشار او غسل صورته (من خلال اعلام فاشل) فلا شك انه سيبقى كما هو: رجل لا ارث له ولا اصدقاء ولا شعب يطيقه، سوى المنتفعين. كل عودة الى التاريخ ستكشف انه من اكبر مزيفي الحقائق. تسويقه الفاشل لمشروع وهمي وهو حماية سوريا او المقاومة يذكرني بشخصية دونكيشوته وتخيله فرساناً يحاربونه وهي طواحين ماء.

في بعض المسائل يحيل بشار المذيع والعالم الى امور خارجة عن سياقها. كأنه يظن ان العالم مهتم بمراجعة اقواله والبحث عن مصادرها. ينبغي لمن يعلمه فن اللقاءات ان يلقنه الدرس البسيط: اجب على قد السؤال او قل لا اريد الاجابة لكن لا ترجع الى التاريخ فانه خصمك وخصم عائلتك الى الابد.

درس آخر: لا مستقبل لك في سوريا والتاريخ لا يرحم أمثالك، إن كنت تفهم التاريخ.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *